صدر عن "دار أروقة" بالقاهرة كتاب الأستاذ محمد الغباري "الرؤى المتضادة – سنوات الصراع في اليمن" تضمّن حوارات كان قد أجراها الأستاذ الغباري مع ثمانية من الشخصيات السياسية اليمنية تحدثوا فيها عن تجاربهم وعن نشاط أحزاب اليمن في مراحل مختلفة وكيفية إدارة الصراعات التي دارت في البلاد خلال فترة ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م.
وبداية نود أن نشيد بالجهد الكبير الذي بذله الأستاذ الغباري لتوثيق الأنشطة التي تناولها الكتاب، ونتمنى منه ومن أصحاب الأقلام الآخرين أن يواصلوا هذا المنحى لكتابة تاريخ المرحلة بكاملها واستنطاق شهادات أخرى لأناس كانت لهم أدوار كبيرة في تشكيل الصورة بحُلوها ومرّها ولتغطية المساحات المختلفة التي جالت فيها بلدنا يمنة ويسرة ليتمكن الجميع من تقييم المسيرة ونقدها ومعرفة معارج النجاح ومهاوي الفشل للبلد عموما وللأحزاب وللأفراد.
سأتناول في هذه العجالة قراءة القسم الثاني من الكتاب وفق شهادة الأستاذ عبد الله سلام الحكيمي، والذي جاء عنوانه: "الناصريون، التحالف مع الحمدي والانقلاب الفاشل على صالح".
ومن هذا العنوان نرى أنه قصر الأمر على جزء من الصورة للناصريين وهي التي تتعلق بفترة ما بعد 13 يونيو 1974م إلى حركة 15 أكتوبر 1978م، وتحدث عن هذه الفترة التي امتدت أربع سنوات ونيف فقط، مع وجود لمحة بسيطة عنهم في حواره مع الوزير والسياسي الكبير محمد سالم باسندوة في القسم الرابع الذي تطرق إلى توحيد العمل المسلح في الجنوب وفق إعلان 13 يناير 1966م ودمج مناضلي الجبهة القومية ومنظمة التحرير في الكيان الجديد المسمى جبهة التحرير، وكان أن وحّدت المجاميع القتالية والفدائية الناصرية التي كانت في الجبهة القومية نفسها وشكلت "التنظيم الشعبي للقوى الثورية" كفرع رئيسي في جبهة التحرير و"اضطلع بدور كبير في العمل المسلح سيما في عدن والضالع" ضد المستعمر البريطاني في الجنوب المحتل، ويعود هذا الإجراء إلى إنّ تلك الفترة قد بدأت فيها القوى السياسية اليمنية تتبلور عقائديا وفق انتماءاتها الفكرية ويتمحور كل فريق حول ذاته، وخصوصاً المجموعتين الماركسية والناصرية.
وفيما عدا هاتين النقطتين لم يكن هناك في الكتاب أي حديث عن التنظيم الناصري من حيث نشأته ونشاطه منذ بدايته حتى تاريخ نزول الكتاب أسوة بما ناله "اليسار الماركسي من إبحار في عمقه" كما جاء في القسم الأول من الكتاب، أو كما جاء في القسم الثالث عن حزب البعث بجناحيه البغدادي والدمشقي.
كما لم نجد ذكرا للرعيل الأول من مؤسسي التنظيم وأخصّ بالذكر هنا الأستاذ عبده نعمان عطا وعبد الله المجعلي والدكتور محمد قائد الأغبري وهاشم علي عابد وعبد الله قاسم الدبعي وغيرهم ممن حملوا عبء التأسيس والتكوين.
وأود أن اشير هنا إلى أنّ اختيار الأستاذ عبد الله سلام الحكيمي للحديث عن نشاط التنظيم الناصري في زمن الشهيد إبراهيم الحمدي كان موفّقا كونه أحد نشطاء ذلك العهد وخزانة تتضمن أسرارا لا يكاد يعرفها غيره وخاصة بعد انتقال كوكبة من زملائه قادة التنظيم في ذلك العهد إلى بارئهم، وانتقلت أمانة توضيحها إليه وإلى القلة القليلة الباقية الذين نرجو أن يثروا هذا الأمر ويبرزوا ما لديهم، ولعلّ من أهمهم الأستاذ محمد أحمد العفيف وهادي عامر وعبد الغني ثابت وسلطان حزام العتواني وعلي عبد الله الضالعي وبقية الرعيل الأول في زمن ستينات وسبعينات القرن الماضي.
وكان الأستاذ محمد سعيد ظافر - شفاه الله - قد أودع ما لديه من مذكرات في كتابين فيهما الكثير مما يفيد عن هذه المرحلة، وسنحاول الاستئناس بأحدهما الذي خصصه لهذا الموضوع ليفيدنا في تصحيح بعض المعلومات أو التواريخ التي جاءت في هذه الشهادة.
لعل أوّل ملاحظة نجدها هي في تعبير "التحالف" الذي ورد في العنوان وهو: "الناصريون؛ التحالف مع الحمدي..." فهذا التعبير لم يكن موفّقا لأنّ تعبير التحالف يشي بعلاقة ندّية تكون بين طرفين تستدعيها ضرورةٌ مّا، وغالبا ما تكون مؤقتة تنتهي بانتهاء تلك الضرورة.. في حين أنّ العلاقة بين التنظيم والحمدي بدأت باستطلاع كلّ منهما للآخر والتعرف عليه، وبعد اطمئنانهما لوحدة الفكر والأهداف توّجا هذه العلاقة باندماجهما معا في مسار واحد كانت بدايته انضمام رئيس الدولة لهذا التنظيم في 15 أبريل 1976م وحضوره مؤتمره السرّي العام الخامس في 29/ 4 - 1/5/1977م الذي انتخب فيه عضوا في اللجنة التنفيذية العليا، وكان قد عُرِض عليه تولّي مسئولية الأمين العام للتنظيم لولا أنه فضّل تفرّغ الأخ عيسى محمد سيف لهذه المسئولية.
وكان الكاتب قد ذكر عضوية الرئيس الحمدي في قيادة التنظيم في صفحة 98 بقوله عنه أنه كان "أحد أعضاء القيادة التنفيذية العليا للتنظيم الذي أقيم على قاعدة الشراكة الكاملة" وكان هذا التعبير كافيا لعدم وقوعه في خطأ تعبير التحالف الذي بدأ به عنوان هذا القسم. ورغم ذلك سنلتمس له بعض العذر - وإن كان بسيطا للغاية - وهو عدم ورود ذكر المؤتمر العام الخامس للتنظيم ومشاركة الرئيس الحمدي فيه... الخ في المقابلة مما جعله يظنّ أنّ الأمر لا يعدو فكرة التحالف.
وهنا نحيل القارئ إلى كتاب الأستاذ محمد سعيد ظافر "الرئيس الحمدي والتنظيم الناصري في اليمن" ففيه تفاصيل شاملة عن هذا المؤتمر.
النقطة الأخرى التي رأينا تسليط الضوء عليها وهي بداية الاتصال بين الرئيس الحمدي وبين قيادة التنظيم الناصري..
فلقد جاء في الكتاب أنّ هذا الاتصال بدأ في احتفال رابطة طلاب اليمن بالقاهرة بذكرى ثورة 26 سبتمبر في العام الثاني لحركة 13 يونيو أي في عام 1975م الذي صادف مجيء الرئيس الحمدي للقاهرة والتقائه بالأخ عيسى محمد سيف وإعجابه به بعد حوار طويل معه حسب ما جاء في الكتاب، ولعلّ بُعد زمن هذا الخبر الذي يصل إلى نصف قرن لم يسمح بنفس التفصيل الذي جاء هنا.
هذه القضية تناولها كتاب الأستاذ محمد سعيد ظافر بتفاصيل دقيقة سنختصرها هنا بما يلي:
- العقيد إبراهيم الحمدي زار القاهرة في أبريل 1973م قبل حركة يونيو بسنة وشهرين عند عودته من ليبيا. وطلب أن يلتقي برئاسة الرابطة التي كان يعرف عنها أنها تمثل شباب الناصريين، وحضر اللقاء اثنان هما ياسين عبده سعيد وعلي عبد الله الضالعي، وكان الحديث بينهما صريحا وأكد لهما الحمدي أنّ الرؤية للطرفين واحدة.
- نقل الاثنان صورة ما دار في اللقاء إلى الأخ عيسى محمد سيف الذي توسّم فيه الخير إلى درجة تنبؤه أنه سيكون للحمدي شأن بارز في مستقبل اليمن.
- بعد قيام حركة 13 يونيو وبروز اسم العقيد إبراهيم الحمدي، طلب الأخ عيسى من ياسين والضالعي إعادة ما نقلاه له عن حوارهما السابق مع الحمدي. وبعده مباشرة أمر قيادة الرابطة برفع برقية تأييد لقيادة الحركة.
- وبعد ثلاثة أشهر من قيام الحركة احتفلت الرابطة بذكرى ثورة 26 سبتمبر عام 1974م وألقيت فيها كلمة الرابطة بهذه المناسبة وكان قد كتبها الأخ عيسى محمد سيف وتضمنت النقاط العشر الشهيرة المعبرة عن موقف الناصريين الذي كانت تمثله الرابطة وهي الواجهة السياسية لهم ويعرف الجميع ذلك. وتم توصيل هذا البيان للرئيس الحمدي الذي ارتاح له كثيرا.
- في منتصف ديسمبر 1974م وصل الأخ محمد النزيلي السكرتير الشخصي لإبراهيم الحمدي إلى القاهرة، وهناك التقى أولا بقيادة الرابطة وعبّر لهم عن امتنان الرئيس الحمدي لمواقفهم الوطنية التي بدت من خلال بيان الرابطة.
- وفي 26 ديسمبر من نفس العام ألقى الأخ عيسى محمد سيف محاضرة هامة في مقر الرابطة سجلت موقفا متميزا تجاه الحركة، وكان النزيلي حاضرا هناك، فطلب لقاء خاصا بالأخ عيسى وقد تم اللقاء في مقر النزيلي، وهو أوّل لقاء يظهر فيه الأخ عيسى مع شخصية مسئولة قريبة من الحمدي الذي طلب منه معرفة وقت مجيئه إلى صنعاء إذ كان عيسى قد تخرج قبل أشهر من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وفعلا انتقل الأخ عيسى إلى صنعاء بتاريخ 28 يناير 1975م.
- وفي مجال آخر ذكر الكتاب أنّ قيادة التنظيم الموجودة في صنعاء قد بعثت برسالة تأييد للحركة بتاريخ 15 يونيو 1974م حملها الأخ عبد الله العليبي للرئيس الحمدي لعلاقة كانت قائمة بينهما، كما تم ترتيب لقاء خاص بعد ظهر 16 يونيو مع الرئيس الحمدي حضره كل من سالم السقاف وعبد السلام مقبل ومحمد أحمد إبراهيم. (ولم يوضح الكتاب صفة الإخوة الثلاثة التي قدموا بها، وإن كان المؤكد أنهم تحدثوا باعتبارهم ناصريين فكريا دون أن يكون لهم نشاط تنظيمي، وهو ما ستبينه اللقاءات اللاحقة بعد مجيء الأخ عيسى إلى صنعاء بعد سبعة أشهر وحواره الصريح مع الرئيس الحمدي).
- بعد وصول عيسى محمد سيف أوائل 1975م جرى أول لقاء بين الطرفين في شهر فبراير بترتيب من محمد النزيلي وقد حضره مع الرئيس الحمدي عبد الله عبد العالم وعلي قناف زهرة، ومع عيسى من قيادة التنظيم سالم السقاف وعبد السلام محمد مقبل.
- أثمرت الحوارات عن فك الارتباط القومي بتنظيم "الطليعة العربية" وتغيير اسم التنظيم في المؤتمر الرابع الاستثنائي إلى "الطلائع الوحدوية اليمنية" وتغيير أهداف النضال القومي إلى "حرية، عدالة اجتماعية، وحدة" (بتغيير مسمى الاشتراكية إلى عدالة اجتماعية بناء على طلب الحمدي، الذي رأى أنّ هذا الاسم قد شوّهته التطبيقات المسيئة من قبل النظم الاشتراكية التي كانت تؤمم كل شيء في طريقها، وأبعدته عن هدفه الأسمى في تحقيق العدالة المنبثقة من الوحي الإلهي.
- كما أقرّ في هذا المؤتمر إنشاء تنظيم غطاء تحت اسم "الاتحاد الشعبي اليمني" يتم استقطاب العناصر الجديدة إليه، فإذا ثبت ولاء كلّ فرد بعد مرحلة إعداد وتثقيف يتم نقله بعدئذ إلى التنظيم الأصل.
النقطة الأخيرة التي رأينا مناقشتها وتوضيحها هي نقطة خاصة بعلاقة التنظيم بأحمد الغشمي. فمتابعة الحوار يظهر كما لو أنّ الغشمي كان عضوا في التنظيم الناصري مثله مثل الرئيس إبراهيم الحمدي. ويعود ذلك إلى أنّ الغشمي كان عضوا في اللجنة التي تكونت من أربعة عناصر عسكرية وأربعة عناصر مدنية من التنظيم لاستقطاب العسكريين على وجه الخصوص.
هناك قاعدة كان التنظيم يسير عليها وهي العمل وفق نافذتين:
أولاهما تسمى التنظيم الغطاء، وهو الذي يستوعب العناصر المرشحة وفق تقييمات الحد الأدنى من الفكر والسلوك الأخلاقي المطلوب لعضو التنظيم. وهذه العناصر يتم تدريبها وتثقيفها وإدخالها في محكات عملية ليتأكد انتماؤها ويتصلّب عودها وتستمر في مواقعها تلك خاضعة للتقييم المستمر من مسئوليها حتى تحصل على موافقة المعنيين في التنظيم باجتيازها مراحل البناء المطلوبة دون أن تعلم هذه العناصر بكل هذه الاختبارات، بل إنها لا تعلم أنها في تنظيم مؤقت هدفه الغربلة والتقييم... الخ.
وثانيتهما هو التنظيم الأصل وهو الذي يضم العناصر الملتزمة التزاما كاملا لأفكار التنظيم وعندها الاستعداد الكامل للنضال والتضحية، وهذه العناصر تكون قد مرت بالاختبارات والتجارب في التنظيم الغطاء، ويتمّ عادة إلزامها للتنظيم الأصل بعد أن تكون قد حصلت على تأييد المعنيين في التنظيم على نجاحها في ما مرّت به.
ووفقا لما جاء سابقا، فإن التنظيم الغطاء "النافذة الأولى" الذي اعتمد في المؤتمر الرابع الاستثنائي عام 1975م هو "الاتحاد الشعبي اليمني" بينما التنظيم الأصل أو النافذة الثانية هو "الطلائع الوحدوية اليمنية" وهو الذي يعقد مؤتمراته ويتخذ قراراته لكلا التنظيمين، في حين ليس للتنظيم الغطاء مؤتمرات خاصة به.
بداهة القول الآن ما يلي:
- إبراهيم الحمدي عضو القيادة التنفيذية للتنظيم الأصل مع زملائه وأمينهم العام عيسى محمد سيف.
- أحمد الغشمي كان ضمن مجموعة الترشيح وإلزام العسكريين للتنظيم الغطاء، ولا يعلم شيئا عن التنظيم الأصل، وكان يعتقد أنّ ما يعلمه هو كل شيء ولا غير ذلك.
وهنا وقع الكاتب في خطأ التعبير إذ كان يتصور أنه كلما جاء لفظ التنظيم فإنه ليس إلا تنظيما واحدا، وبدا عندئذ أنّ الغشمي كان في التنظيم الناصري الأصل وهو ليس كذلك.
خلاصة القراءة أننا لا نقلل مما جاء في هذا الكتاب الشيّق، فلقد جاء بمعلومات دسمة وكثيرة بل نقول إنّ كثيرا منها جديد على أكثر القراء، فقد كان مصدرها رجلا كما عهدناه عارفا بما يجهله الكثيرون، وكان أمينا في نقل ما يعرفه، بل وأجزم أنّ لديه الكثير مما زال مخزونا في ذاكرته ونتمنى عليه أن يظهره للتاريخ قبل أن تندثر هذه المعلومات ويطويها النسيان.
صنعاء
30/7/2025م