صفحات من حياة المناضل الناصري علي محمد نعمان
هادي عامر
هادي عامر


أنا هادي عامر، زميل القائد الناصري المحبوب علي محمد نعمان، الملقب بـ"الملك"، الذي ترجل عن صهوة جواده، وودعنا إلى جنة الخلد بعد معاناة طويلة مع المرض الذي لا يرحم. ثمانون عامًا قضاها في هذه الدنيا الفانية، بدأ حياته وطفولته وبواكير شبابه في عدن التي أحبها بجنون، إلى أن قام الضباط الأحرار بتفجير ثورة 26 سبتمبر 1962، فهزه الشوق ونداء الواجب ليغادر عدن إلى شمال الوطن، ليلتحق بـالحرس الوطني دفاعًا عن الثورة وتثبيتها، وكان له ما أراد.


كان له أيضًا دور في ثورة 14 أكتوبر في الجنوب، من خلال نشاطه في النضال ضد المستعمر البريطاني، بانضمامه إلى التنظيم الشعبي للقوى الثورية العربية في منطقة الصبيحة، عبر فرقة الفتح الفدائية التي كان يقودها المناضل الناصري الشجاع فضل صالح الطيار الرجاعي. وقد ربطت بينهما علاقة نضالية متينة، ممهورة بالشجاعة والإقدام والجسارة التي كان يتمتع بها، ما أهّله للترشيح للدراسة في الكلية الحربية المصرية.


هناك، في الكلية الحربية، تم تعارفنا لأول مرة، وظلت علاقتنا بهذا البطل منذ عام 1966 حتى وافاه الأجل المحتوم عام 2025، وإن كانت اللقاءات متقطعة، إلا أنها استمرت عبر شقيقه الطيب والأصيل عبدالرقيب محمد نعمان، الذي كان يسكن في مدينة المعلا ويعمل في شركة التجارة. وكانت لقاءاتنا مع المناضل الناصري الشجاع علي محمد نعمان الملك في ذلك المنزل الصغير والمتواضع في معلا دكة، والذي كان بمثابة نقطة تواصل دائمة.


بعد استكمال الدراسة في الكلية الحربية المصرية، عاد معظم من درسوا في الجمهورية العربية المتحدة، سواء في الكلية الحربية أو في معسكر المعادي، إلى اليمن ليساهموا في تأسيس جيش التحرير الذي كان معسكره في منطقة الحوبان. وكان أخونا المناضل علي محمد نعمان من ضمن الضباط المؤسسين في هذا المعسكر، إلى جانب عدد من زملائه، منهم المناضل الناصري الشجاع علي عبدالله حسين اليزيدي، ومحمد محسن الجرادي، وآخرون من الفدائيين الشجعان الذين قاتلوا في ساحات الجنوب.


وكان من أبرز القيادات القائد الناصري الكبير علي بن علي هادي، قائد فرقة الوحدة، إحدى فرق التنظيم الشعبي، وكان قائد المعسكر القائد الناصري المعروف صالح الحارثي، إلى جانب بعض القيادات القبلية مثل محمود ناصر الداعري، ومحمود البكري, وعمر علي مثنى, ومحمد مثنى عمر، وآخرين لا تسعفني الذاكرة بذكرهم.


أسس جيش التحرير في الحوبان كتائب قتالية استعدادًا لدخول الجنوب، لمؤازرة فرق التنظيم الشعبي التي كانت تخوض معارك فدائية ضد قوات المستعمر البريطاني في عدن ولحج والحواشب وردفان والضالع. وفي مطلع نوفمبر 1967، وقعت نكسة للجمهورية العربية اليمنية، إذ تآمرت القوى الرجعية مع بعض القوى السياسية اليسارية، مثل الحركيين المدعومين من الجبهة القومية، وكذلك البعثيين الذين لم يكونوا على وفاق مع الرئيس عبدالله السلال، وانقلبوا عليه رغم دعمه من قبل الجمهورية العربية المتحدة بقيادة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر.


كانت تلك الأحداث نكسة لجيش التحرير وما يمثله من امتداد لمبادئ ثورة 26 سبتمبر وثورة 23 يوليو. ومع ذلك، قررت قيادة جبهة التحرير بقيادة القائد العسكري عبدالله محمد المجعلي تحريك كتائب من جيش التحرير إلى الجنوب عبر طريق الراهدة–كرش، يوم 6 نوفمبر، وكان أخونا المناضل علي محمد نعمان ضمن هذه القوات.


عندما وصلت قوات جيش التحرير إلى كرش، فوجئت بطائرات الهوكر هنتر البريطانية تهاجم الأرتال القتالية بضربات متتالية عطّلت التقدم، فعادت بعض القوات إلى الحوبان لإعادة التنظيم، بينما تسلل بعض الأفراد إلى الداخل وخاضوا معارك مع ميليشيات الجبهة القومية وجيش الاتحاد النظامي الموالي لبريطانيا، وحتى مع القوات البريطانية نفسها. ومن هؤلاء الأبطال القائد الناصري علي عبدالله حسين اليزيدي (أبو عصام)، وزميله محمد محسن الجرادي، ومعهما سريتان من مقاتلي جيش التحرير.


لم تُذكر هذه البطولات في أي سجل رسمي، وهنا انكشفت المؤامرة التي حيكت بين بريطانيا والجبهة القومية لإقصاء جبهة التحرير والتنظيم الشعبي، نكاية بالزعيم جمال عبدالناصر. وفي الوقت ذاته، كانت القوى الملكية المدعومة سعوديًا وأردنيًا وإسرائيليًا تحاصر صنعاء بعدة فرق قتالية يقودها مرتزقة أجانب.


قررت جبهة التحرير المشاركة في فك الحصار عن صنعاء بالتنسيق مع الحكومة اليمنية. توجهت كتائب من جيش التحرير إلى محور الحديدة–مناخة، وكنت أنا كاتب هذه السطور ضمن هذه الحملة، برفقة قبائل آل عواض بقيادة المناضل أحمد عبدربه العواضي. كما تحرك مئات الفدائيين من فرق التنظيم الشعبي عبر نقيل يسلح بقيادات مثل نصر بن سيف الردفاني، وهاشم عمر العدني، وسالم الهارش الشبواني، بالتنسيق مع القائد حسين الدفعي.


بعد معارك ضارية، نجحت القوات الجمهورية في اختراق مواقع الملكيين وفك الحصار عن صنعاء، ووصلت إلى متنة بني مطر، حيث التقت مع القوات المحاصَرة في الداخل. وكانت هذه الملحمة من أعظم التضحيات والانتصارات، وكان لأبطالنا الناصريين الشرفاء دور بارز فيها، رغم أن هذه الأدوار لم تنل حقها من التوثيق.


بعد فك الحصار، انضممت مع أخي المناضل علي محمد نعمان إلى لواء الوحدة المشكَّل من مقاتلي وفدائيي التنظيم الشعبي، بقيادة النقيب أحمد صالح الصوفي من أبناء السوادية، وكانت مهمة اللواء التمركز في متنة بني مطر ونواحيها. وقد خاض هذا اللواء معارك بطولية ضد القوات الملكية التي حاولت استعادة مواقعها، لكن محاولاتها باءت بالفشل.


ونذكر هنا أن الرئيس السابق علي عبدالله صالح كان أيضًا ملحقًا مع سرية دبابات لتعزيز قوات اللواء لواء الوحدة.


لاحقًا، وبعد استقرار الأوضاع، تحركت مؤامرات جديدة من داخل الصف الجمهوري، واندلعت فتنة 22 أغسطس 1968، في مواجهة بين القوى التي دافعت عن صنعاء والجمهورية، وبين قوى التخلف من القبائل وبعض العسكريين الموالين لها، ما شكّل نكسة جديدة للقوى الثورية.


ظلّ أخونا علي محمد نعمان صامدًا، لكنه قرر العودة إلى عدن. إلا أن سيطرة النظام الشيوعي هناك لم ترق له، فغادر إلى المهجر ثلاث سنوات، ثم عاد إلى اليمن. واستمرت مسيرته النضالية في مراحل لاحقة، منها مشاركته في حركة التصحيح الناصرية التي اغتيل خلالها القائد إبراهيم الحمدي، وورد اسمه أثناء محاكمات قادة وشهداء الحركة. وبعد الاعتقالات، غادر صنعاء مجددًا إلى عدن، لكنه تعرض للمضايقات من النظام الماركسي، فعاد إلى تعز، وظل يتأقلم مع أوضاع لا تُسر أحدًا، حتى وافاه الأجل.


هذه السيرة العطرة المليئة بالنضال والتضحيات لأخينا المناضل علي محمد نعمان "الملك"، تستحق منّا الفخر والاعتزاز. لقد كان رجلًا شجاعًا، زاهدًا في الأضواء، ثابت المبدأ، وودّعنا كما ودّعنا كثيرًا من الرجال الأبطال، وهذه سنة الله في خلقه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



إقراء أيضا