أنا هادي محمد عامر. أدون هنا بعض الذكريات حول فك الحصار عن صنعاء، وعن مشاركة الأبطال الناصريين في كسر الحصار، سواء عبر طريق الحديدة أو عبر نقيل يسلح.
كانت البداية أننا كنا معسكرين في مدرسة المظلات بالحديدة بالقرب من مطار الحديدة، وقبلها كنا في معسكر الاستقبال بتعز ندرب الشباب المتطوعين بإشراف وتمويل القائد الناصري المجهول عبدالغني مطهر، والقائد الناصري محمد علي الأسودي، اللذين كانت لهما أدوار مشرفة في الدعم والتمويل وتأهيل المتطوعين للدفاع عن صنعاء، عاصمة الجمهورية العربية اليمنية.
وعند وصولنا إلى مدرسة المظلات بالحديدة ونحن نتهيأ للطلوع إلى صنعاء، كان الجميع منتشرين في ميدان المدرسة، أي ثلاث كتائب متواجدة في الميدان، وكانت الأجواء شتوية باردة. وكنت حينها قائداً للكتيبة الأولى، من متطوعي ومناضلي التنظيم الشعبي لجبهة التحرير. وكان الظلام حالك السواد، وكنا متيقظين، عندما فوجئنا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل بسيارة جيب عسكرية ترافقها مصفحة مدرعة تقتحم المكان الذي كنا مخيمين فيه.
ترجل بعض الجنود مع ضابط متجهين نحونا، فأشعرنا المتطوعين بالانتباه لمواجهة ما هو آت، حيث كان الظلام دامساً. وبالفعل سألني الضابط: "من المسؤول هنا؟". فأجبته بأنني قائد الكتيبة الأولى، بينما هناك كتيبتان أخريان في المدرسة. فسألته: "من أنت؟ وماذا تريد؟"، فأجابني بثقة عالية: "أنا الملازم محمد مهيوب الوحش من سلاح المظلات، نحن إخوتكم وجئنا لنهيئكم للطلوع إلى صنعاء". وأضاف كلاماً جميلاً: "بنادقنا جميعاً تتوجه إلى أعداء الثورة والجمهورية".
وكان قائد مدرسة المظلات الملازم محمد أحمد سعيد قد أتى مسرعاً ليرحب بالضيف القادم، ويبدو أنه كان على علم بقدومه لكنه لم يخبرنا بذلك. وكان مدير مدرسة المظلات شخصية عسكرية متميزة، وعرفت من خلال احتكاكي به أنه منتمي إلى التيار الماركسي، على النقيض بالنسبة لنا، لكنه للأمانة رجل عسكري محترم ومعتدل سياسياً، أي ليس متطرفاً. وكانت تلك اللحظات بداية المعرفة بالملازم محمد مهيوب الوحش.
وبعد وصولنا إلى صنعاء، تم توزيع أفراد الكتائب الثلاث: كتيبة إلى سلاح الصاعقة، وكتيبة إلى سلاح المظلات، وكتيبة أخرى تم استيعابها في لواء الوحدة للمشاة. نشير هنا إلى مشاركات مناضلي التنظيم الشعبي في محاولات فك الحصار عن صنعاء عبر طريق معبر نقيل يسلح، حيث كان هناك المئات من المناضلين الأشداء مصممين على إزاحة القوات الملكية الظلامية، وكسر الحصار عن صنعاء. وقد دفع المناضلون من التنظيم الشعبي ثمناً غالياً جداً من خيرة رجاله، وعلى رأسهم قيادات بارزة مثل المناضل سالم الهارش الشبواني، قائد فرقة النجدة الفدائية، والمناضل هاشم عمر العدني أحد قيادات التنظيم الشعبي في عدن، وكذلك المناضل نصر بن سيف الردفاني، أحد قيادات التنظيم الشعبي في ردفان، إلى جانب العديد من المناضلين الناصريين الذين ارتوت الأرض بدمائهم الزكية الطاهرة.
هذه حقائق صادقة يحاول البعض طمسها وطمس مشاركة الأبطال الناصريين في الدفاع عن ثورة سبتمبر المجيدة. وكان المناضلون يشعرون بالفخر لمساهماتهم، ولا ينتظرون من أحد جزاءً ولا شكوراً. لكن أن يكون جزاؤهم لاحقاً المتابعات والقتل والاغتيالات بدون أي مبرر، فهذا ما نرفضه ونقاومه بشتى الوسائل دفاعاً عن النفس.
وبعد استقرار الأمور بعد الحصار، بدأت تظهر بعض المظاهر المستفزة من اليساريين في الجيش، وبالذات في سلاح المظلات بقيادة محمد مهيوب الوحش، حيث لم يكونوا يطيقون وجود أحد في السلاح ما لم يكن منتمياً للتيار اليساري. وكانت هذه رؤية خاطئة للأسف، تعبر عن مراهقة سياسية صبيانية، لكنهم لم يجدوا من يردعهم، مزهوين بدورهم في الدفاع عن صنعاء، بالرغم من أن الناصريين الشرفاء، المنضوين في إطار التنظيم الشعبي لجبهة التحرير، كانت لهم أدوار بطولية في الدفاع عن العاصمة مثلهم مثل الآخرين في سلاح الصاعقة والمظلات وألوية المشاة والمدفعية، وسقط لهم العديد من الشهداء، وعلى رأسهم الشهيد البطل هائل عبدالله ثابت.
كان الأخ الوحش عندما التقى بنا في الحديدة قد قال: "نحن إخوة.. بنادقنا جميعاً تتوجه ضد أعداء الثورة والجمهورية". إلا أنه بعد دحر القوى الظلامية أخل بما تعهد به في الحديدة، ويبدو أن الشق العقائدي والحزبي تغلب على الشق الثوري والنضالي. ومن هنا بدأت أولى الانتكاسات بين إخوة السلاح الواحد والهدف الواحد.
كنا نسمع أن بعض الإخوة الناصريين في سلاح المظلات قد اختفوا، وتحققنا من الأمر عبر عدد من الإخوة، فأكدوا جميعهم أن عدداً من المناضلين الناصريين الشرفاء اختفوا فعلاً، ومنهم الملازم صالح مثنى الرفاعي، الذي نما إلى مسامعنا أن الوحش بنفسه خنقه برباط الجزمة في أنفاق تمتد من سلاح المظلات إلى مصنع الغزل والنسيج، حيث كانت تتم الاغتيالات وتدفن الجثث هناك لإخفاء آثار الجريمة.
أبلغنا رئيس الأركان حينها، وقائد سلاح الصاعقة عبدالرقيب عبدالوهاب، بالأمر، وقد وعد بإجراء تحقيق، لكن للأسف لم يحصل شيء يُذكر. وهنا أشهد بأن الأخ محمد مهيوب سيف الوحش كان بطلاً شجاعاً مقداماً ومدافعاً عن الثورة والجمهورية، لكن نقطة الضعف لديه كانت الانتماء الحزبي الماركسي والتعصب الأعمى، الذي قاده إلى تصفية واغتيال إخوة النضال الذين شاركوه في الدفاع عن الثورة والجمهورية. وكان ذلك عبثاً ونزقاً سياسياً ممقوتاً، لا مبرر له، ولم يكن لديهم أي مساحة لتقبّل الآخر. كان منطقهم: "أنت لست معي، فأنت ضدي".
وهذا النهج كان ممارساً في حكومة الجنوب آنذاك، التي اعتنقت النظام الشيوعي سلوكاً ومنهجاً. وقد جرّ ذلك الأسلوب الكوارث والويلات على أبناء الشعب الجنوبي، حيث نصبت المحاكم والمشانق لقتل المعارضين للنظام الماركسي الحاكم. ونحن الناصريين دفعنا الثمن غالياً من أرواح شهدائنا الأبرار، إذ أعدم أكثر من 12 مناضلاً ناصرياً من أفضل القيادات والكفاءات، جميعهم خريجو جامعات وأكاديميات، بدون أي سبب سوى رفضهم الانصهار في التنظيم الماركسي الحاكم.
وبعد أن استكملوا تصفية العديد من المعارضين لنظامهم قتلاً وتشريداً وسجناً، استمروا في نزعة سفك الدماء حتى وصلوا إلى التآمر فيما بينهم وتصفيات داخلية دموية، كما شهدت أحداث 13 يناير 1986، التي كانت خير دليل على ما نقول. وأصبح الماركسيون الأمميون من كبار دعاة المناطقية والقروية، وكانت التصفيات بينهم تتم عبر بطاقة الهوية الشخصية.
عندما نتذكر هذه المآسي نشعر بحزن شديد على ضحايا تلك الفترة السوداء شمالاً وجنوباً، إذ كان بالإمكان تجنب هذه النكبات المعيبة بحق أبناء الشعب، لكن يبدو أن للتدخلات الخارجية دوراً كبيراً في ما حصل لبلادنا، التي ابتُليت بقيادات متطرفة همجية لا يردعها شيء، تعيش المراهقة السياسية بلا وعي ولا تعقل.
حول مقتل محمد مهيوب الوحش
كان ذلك بعد الظهيرة، وأنا هنا شاهد حاضر على هذه الواقعة. توقفت سيارة جيب روسي تحمل رشاش 12.7 وعدداً من الجنود مع الضابط الوحش، ودخلوا إلى بوفية التحرير حيث كان يتجمع العديد من الفدائيين من مناضلي التنظيم الشعبي لجبهة التحرير. وكانت المسجّل تبث أغنية الفنان أرسلان خليفة:
"جبهة التحرير دُكي.. دُكي بأيديك القوية
كل خائن ورجعي..."
فجأة، ومع دخول الوحش ومرافقيه، اتجه أحدهم لإغلاق المسجّل بطريقة استفزازية لا مبرر لها سوى استعراض العضلات على إخوة السلاح. وقال متحدياً: "اللي هو شجاع ويقول إنه من جبهة التحرير يخرج!".
كان هناك عدد من المناضلين جالسين في المقهى، ومنهم الملازم أول جميل محمد العدني، وهو ملازم في سلاح المظلات ويحمل سلاح جرمل، وكان إلى جانبه صديقه الحميم محمد عبدالله العزيق، رقيب أول في سلاح الصاعقة، يحمل بندقية نصف آلي. طلب الوحش من جميل الصعود في السيارة، لكنه اعتذر وأخبره أنه سيباشر العمل لاحقاً، ثم غادر مع صديقه العزيق مسرعين لتجنب المشاكل.
اتجها في الشارع المحاذي لبنك الإنشاء والتعمير حيث يسكن جميل العدني. كان جميل قد سبق العزيق بعدة أمتار، فتحرك الوحش ومرافقوه لمطاردتهما. حصلت اشتباكات بين الجانبين، فسقط جميل العدني، وحاول العزيق الاحتماء في إنشآت جديدة بجانب البنك، إلا أن الجندي الذي كان ممسكاً بالرشاش فوق السيارة باغته بعدة طلقات اخترقت صدره فمات على الفور.
وفجأة، سقط الوحش من فوق السيارة مضرجاً بدمه، مستلقياً على الأسفلت، بينما غادرت السيارة بمن فيها مسرعين، مخلفين قائدهم على الأرض. وللأسف، لم تكن هذه من شيم الرجولة أن يتركوا قائدهم في تلك الحالة، لكنهم جبنوا وآثروا السلامة. كان الوحش مصاباً في مؤخرة الجمجمة وينزف، لكنه لا يزال على قيد الحياة. ظل كذلك لعدة دقائق حتى مر العميد دارس (على ما أظن)، فتولى نقله إلى مستشفى الثورة، حيث فارق الحياة.
كانت تلك نهاية سوداوية ومحزنة لبطل مشهود له بالدفاع عن الثورة والجمهورية، ولرفاقه الأبطال جميل العدني ومحمد عبدالله العزيق، اللذين كانا من أشجع الفدائيين في مقارعة الاستعمار البريطاني في الجنوب ومن المدافعين عن صنعاء وفك الحصار عنها. خسرت الجمهورية هؤلاء الأبطال الشجعان في معركة لا مبرر لها سوى استعراض العضلات إرضاءً لتوجهات حزبية متطرفة لا تعطي للإنسان قيمة.
وهكذا طويت صفحة الأبطال محمد مهيوب الوحش، وجميل العدني، ومحمد عبدالله العزيق، في شوارع صنعاء بعد نضال مرير مع قوى الظلام والتخلف.
الرحمة والمغفرة للجميع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الشاهد على ذلك: الملازم حينها في سلاح الصاعقة هادي محمد عامر.
والله ولي التوفيق.