اغتيال المشهري.. جرس إنذار للجباية المسلحة
حلمي الحمادي
حلمي الحمادي


لم تكن جريمة اغتيال الأستاذة إفتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة والتحسين في تعز، حدثًا عابرًا أو فعلًا جنائيًا منعزلًا، بل جاء يُقدّم رسالة دامغة عن واقع اقتصادي مريض ينهش جسد الدولة اليمنية منذ سنوات، يتمثل بـ «اقتصاد الريع الموازي والجباية المسلحة، الذي يديره النافذون ويتغذى على الإيرادات العامة التي تُحصَّل بطرق غير مؤسسية وتُوزَّع خارج القانون». 


فقد دفعت المشهري حياتها ثمنًا لموقفها الرافض لتمرير مخصصات مالية كانت تُقتطع لصالح جماعات مسلحة ومراكز النفوذ المحلية، وأصرّت على أن تبقى موارد الصندوق في إطارها المؤسسي، وقد وضعتها هذه الجرأة في مواجهة مباشرة مع شبكات الفساد التي اعتادت أن ترى المال العام غنيمة أو حقًا شخصيًا، فانتهى الأمر بتصفيتها بطريقة غادرة وبشعة.


ريع موازٍ أقوى من الدولة


الإشكالية العصية والقابلة للانفجار الآن في اليمن لا تقتصر على الصراعات السياسية والعسكرية، بل تمتد إلى إدارة الإيرادات المحلية. وبدلاً من أن تكون هذه الإيرادات أداة لبناء المؤسسات وتوفير الخدمات الأساسية، تحوّلت إلى غنائم يتقاسمها النافذون. هنا "ضرائب"، وهناك "جمارك"، وفي مكان آخر "رسوم الخدمات"، وحتى "صناديق النظافة"، جميعها باتت تُدار عبر قنوات غير شفافة. 


وهناك ما يُقدّر، بحسب التقديرات، بـ600 مليون دولار سنويًا تتسرب منها إلى جيوب شبكات مسلحة ومتنفذين محليين. وهكذا نشأ اقتصاد موازٍ ينخر جسد الدولة ويتفوق على مؤسساتها ذاتها، ويُعيد إنتاج مراكز القوى والمليشيات باستمرار، ولكن هذه المرة بلباس الدولة وأدواتها. وقد أصبح ليس فسادًا إداريًا تقليديًا، بل بنية كاملة وعملًا ممنهجًا لإفقار الدولة وإضعافها؛ فهو يُفرغ مؤسساتها من مضمونها ويجعلها مجرد لافتة بلا سلطة.


الجباية المسلحة.. الوجه العاري للأزمة


من أبرز تجليات الاقتصاد الموازي الجباية المسلحة، حيث تُفرض الرسوم وتُحصّل في الأسواق والشوارع وحتى عند نقاط التفتيش، أو تُقتطع من موارد مؤسسات الدولة السيادية بعيدًا عن أي إطار قانوني، وتتوزعها مراكز نفوذ محلية بقوة السلاح. وهنا تكمن خطورة المشهد: فالموارد التي كان يفترض أن تتحوّل إلى خدمات للمواطنين تُستخدم في تمويل الصراع المسلح وإدامة شبكات الولاء.


رسالة مزدوجة وتداعيات تتجاوز تعز


اغتيال المشهري لم يكن مجرد جريمة، بل رسالة مزدوجة: أن من يحاول سدّ منافذ التسرب المالي سيواجه بالعنف، وأن الإصلاح المالي والإداري في اليمن لم يعد مجرد قرار صعب، بل مغامرة قد تكلف حياة صاحبها. 


هذه الرسالة تعكس أن الفساد أصبح مكوّنًا أصيلاً في معادلة السلطة، وأن أي محاولة للتغيير ستُواجَه بقوة السلاح. وإن ما جرى في تعز له تداعيات تتجاوز حدود المدينة، فغياب الشفافية في إدارة الإيرادات يفاقم العجز المالي، ويُرسّخ الفقر، ويقوّض ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة، والأخطر من كل ذكر أن الاقتصاد الموازي بات عقبة أمام أي تسوية سياسية، لأن المستفيدين منه ذوو مصلحة مباشرة في استمرار الفوضى التي تمنحهم السيطرة على المال العام.


يبدأ الإصلاح من أن اغتيال إفتهان المشهري يجب أن نقرأه كجرس إنذار. فبناء دولة حقيقية لن يكون ممكنًا ما لم يبدأ من: "إصلاح إدارة الإيرادات المحلية وتجفيف منابع ريع الاقتصاد الموازي وتمويل الجباية المسلحة". وإلا لا يمكن الحديث عن دولة أو سلام دائم بينما تُنهب الموارد أمام أعين الجميع وتُغتال الكفاءات التي تحاول حمايتها.


إفتهان لم تمت كفرد، بل تحوّلت إلى "رمز للصراع بين إرادة الإصلاح وبطش الفساد"، والرسالة التي يجب أن تبقى حاضرة بعد رحيلها: "البلد ليس له كيان طالما ظل المال العام رهينة بيد النافذين، خارج القانون وخارج الدولة".


إقراء أيضا