من يتأمل واقع اليمن اليوم تحت سيطرة جماعة الحـ..وثي لا يحتاج إلى جهد كبير ليرى حجم التشابه بينها وبين تجربة حكم الأئمة قبل ثورة 26 سبتمبر 1962. فكلا التجربتين تستندان إلى الادعاء بأحقية "النسب الهاشمي" في الحكم واعتباره "حقاً إلهياً" فوق إرادة الشعب، وهو ما جعل السلطة في نظرهم أعلى من الدستور وأعلى من أي عقد اجتماعي، بحيث لا يُنظر إلى الشعب كمصدر للسلطات، بل كـ"رعية" يجب قيادتها لا إشراكها.
الإمام قديماً، وعبدالملك الحوثي اليوم، يستندان إلى فكرة "الأهلية السلالية" للحكم. لم يُنظر إلى المواطنة ولا إلى الكفاءة معياراً لشغل المناصب، بل أن حكر المناصب العليا في الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية على الأسر الهاشمية، في تجاهل تام لتنوع المجتمع اليمني وطاقاته.
وكما امتلأت سجون الإمامة بالمعارضين، تملأ جماعة الحوثي المعتقلات اليوم. كلا السلطتين لا تعترفان بالحرية الشخصية ولا بالحريات العامة، وتعتبران كل معارض لهما "خائناً أو عميلاً". السجن والنفي والتشريد كان ولا يزال وسيلة لإسكات الأصوات المختلفة.
الإمام في الماضي، وعبدالملك الحوثي اليوم، يوضعان في مرتبة تعلو على الدستور والقوانين. الحاكم هو من يفصل في كل القضايا، حتى أبسطها، وقراراته فوق المؤسسات الحكومية والأمنية والعسكرية. والوزارات والهيئات مجرد واجهة بلا صلاحيات حقيقية، بينما القرار الفعلي بيد الإمام والقائد.
وتكرر التجربتان سياسة الجبايات والإتاوات التي تُفرض على الناس بلا مقابل. فالضرائب في نظام الإمامة والضرائب والاتاوات التي يفرضها الحوثيون اليوم تُثقل كاهل الشعب، بينما الخدمات الأساسية غائبة. الهدف الأساسي هو تمويل استمرار السلطة لا تنمية المجتمع.
وكما حرمت الإمامة اليمن من التعليم العصري، وأبقت الناس أسرى "التعليم الديني المنغلق" الذي يسهل السيطرة على المجتمع فإن الحوثيين اليوم يعيدون إنتاج التجربة عبر تغيير المناهج التعليمية وغرس أفكار طائفية أحادية، مع إهمال التعليم المدني الحديث الذي يفتح آفاق المعرفة.
في زمن الإمامة، انتشرت الأوبئة وارتفعت نسب الوفيات بسبب إهمال الصحة وغياب الخدمات. واليوم، تحت حكم الحوثي، يتكرر المشهد ذاته: تدهور النظام الصحي، انتشار الأمراض، وارتفاع معدلات الفقر والوفاة، نتيجة الحرب وسوء الإدارة وسياسة الإقصاء.
المحصلة أن التجربتين تتفقان في عرقلة أي مسار للتقدم، وإبقاء المجتمع في حالة جهل وفقر ومرض، بما يسهل السيطرة عليه. هذا التشابه يكشف أن الحوثيين ليسوا إلا امتداداً لنهج الإمامة في صيغة جديدة، وأن ثورة 26 سبتمبر لم تكن مجرد محطة تاريخية، بل ضرورة متجددة لكسر هذه الحلقة.