شيخ الحمزة السعدي.. الفدائي الناصري الذي هزّ عرش المستعمر
هادي عامر
هادي عامر



أنا هادي عامر، أعترف بالجميل لهذا المناضل الناصري الشجاع شيخ الحمزة أحمد عاطف السعدي، المولود عام 1942 في حبيل أمديمة عرمة بمديرية الوضيع محافظة أبين، والذي له ستة أولاد وست بنات من زوجتين. وكانت إحدى زوجاته الشقيقة الكبرى للشهيد اللواء علي ناصر هادي، قائد المنطقة الرابعة، الذي استشهد على أبواب مدينة التواهي في مواجهات مع الحوثيين عام 2015.


وتمر الأيام الصعاب بحلوها ومرها. أعترف بالجميل لهذا المناضل بأنه أول من فتح عيني على الاشتراك كعضو فدائي لمحاربة المستعمر البريطاني - أنا ورفيق عمري المناضل صالح ناصر هادي. لأول مرة تعرّفنا على مناضل كبير ذو هيبة ووقار. أخذنا في سيارته إلى مدينة الشيخ عثمان ليعرّفنا على مناضل آخر كبير هو المناضل الناصري الكبير محمد ناصر عبدالقادر قدح الملقب «مختار». 


فوجئنا بتعميدنا كفدائيين في إطار التنظيم الشعبي للقوى الثورية العربية، بأن وضعنا أيدينا على كتاب الله وفوقه قنبلة ومسدس وحلفنا اليمين مردّدين خلف المناضل مختار العهد الذي سيحدد مواقفنا النضالية إلى أن نلقى الله تعالى. هذه كانت البداية. وقد كنا مبهورين بالوضع الجديد الذي كنا نعيشه لحظاته إلى حدود الفرح والسرور الجميل. أن تصبح فدائيًا تحارب بريطانيا العظمى فهذا يعني الكثير.


كان الأخوان شيخ الحمزة ومختار قد أوضحا لنا الكثير من الأمور التي تتعلق بانتمائنا وبحركتنا وبسرية ما قد نُكلّف أو نقوم به، لا سيما ونحن في عز شبابنا، والحرص على أن نتصرف بهدوء وبشكل طبيعي جدًا دون أي مبالغة أو غرور. أكدوا لنا أن اتجاهنا السياسي هو خط الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وكنا مسرورين بأن نناضل تحت هذه الراية الناصرية.


وكانت الخطوة الثانية بعد أيام تسليمنا لمناضل ناصري آخر من الشباب هو المناضل ناصر فضل السقاف، الذي أخذنا في سيارة ليدربنا على كيفية استخدام القنبلة اليدوية والمسدس. وبعد فترة استوعبنا تلك المفاهيم وهيأونا للقيام ببعض العمليات الفدائية، وهذا ما حصل لاحقًا — وله مجال آخر سنتحدث عنه في مقال آخر. كانت تلك البدايات لعملنا كفدائيين في إطار التنظيم الشعبي للقوى الثورية العربية.


نعود لأخينا المناضل شيخ الحمزة، هذا الفدائي الجسور والرائع والخلوق، والذي كانت كنيته «عمر». كان ينسق عمل الفدائيين الشجعان في مختلف الفرق الفدائية، وكان يتحمّل مسؤولية الرجل الثاني في فرقة «المجد» الفدائية المقاتلة، والتي كان نشاطها الرئيسي في مدينة كريتر وخور مكسر. وكان له دور محوري في إسقاط مدينة كريتر يوم 20 يونيو 1967، بالتنسيق مع الفدائيين من منتسبي الجبهة القومية وكذا منتسبي معسكر البوليس المدني سابقًا ومعسكر عشرين حاليًا.


شيخ الحمزة لم يكن رجلاً عادياً، بل كان يتمتع بكاريزما طبيعية تؤسرك عندما تلاقيه وتتحدّث معه. رجل فاهم للأوضاع السياسية والأمنية بشكل دقيق، رجل علاقات متشعّبة مع الجميع وله صداقات مع كل الأطياف السياسية في عدن والمحميات. كان يشكل ثنائياً قوياً مع رفيق نضاله المناضل الناصري الكبير محمد عبدالله الصغير، قائد فرقة المجد الفدائية المقاتلة. كانوا أبطالًا شجعانًا لا يهابون الموت ويتحدون الصعاب مهما كانت الظروف. هؤلاء القديسون كانوا قدوتنا وزادنا؛ تعلمنا منهم الكثير: حب الوطن والتضحية والفداء من أجل هذا الوطن.


وكانت الأمور تسير بشكل إيجابي إلى أن حصلت النكسة الأولى بتنسيق بريطانيا مع الجبهة القومية عيانًا بيانًا ضد جبهة التحرير والتنظيم الشعبي المدعومين من مصر الناصرية. ويُعتبر هذا الموقف المخزي من قيادة الجبهة القومية خيانة واضحة لشركاء النضال، وكان مخطَّطًا أن تُسلم السلطة بعد انسحاب بريطانيا إلى الجبهتين. إلا أن هناك تداخلات إقليمية ودولية أقنعت بريطانيا أن تتجاهل جبهة التحرير لأسباب سياسية واقتصادية، وكان ذلك بالتشاور مع الاتحاد السوفيتي من خلال زيارة قام بها ألكسي كوسيغين إلى المملكة المتحدة، حيث قابلت ملكة بريطانيا، الملكة إليزابيث. وحسب الوثائق البريطانية التي نُشرت مؤخراً، كان الوفد الروسي قد قال للبريطانيين: «أنتم حتماً ستخرجون من عدن والجنوب... فلمن ستتركون الفراغ؟ ومن سيملأ الفراغ بعد خروجكم؟» وأضافوا: «هذا الفراغ سيستغله عبد الناصر من خلال ذراعه العسكري والسياسي في جبهة التحرير، وسيجر ذلك إلى امتداد إمبراطورية عبد الناصر تدريجيًا إلى دول الخليج العربي الغنية بالنفط والثروات والمصالح الغربية». وأضاف الوفد الروسي قائلاً: «لدينا خلايا ثورية تابعة لنا في الجبهة القومية... ممكن تسلّموا السلطة للجبهة القومية ونضمن لكم مصالحكم بأن لا تتضرروا».


وهنا أصدرت الملكة إليزابيث قرارها بشأن تسليم السلطة للجبهة القومية، وتسمح للدب الروسي بالتمدد في مياه خليج عدن والبحر العربي الدافئ. وقد أوضح ممثل حزب العمال البريطاني المبعوث إلى عدن أن حزب العمال يساري ويسلّم السلطة لجبهة يسارية. وتم ترجمة هذه الأقوال إلى واقع ملموس شاهدناه على الأرض برقم الإنكار المتكرر من قبل قيادة الجبهة القومية. الوثائق التي سمحت بها الاستخبارات البريطانية وأزاحت عنها الستار توضّح بجلاء ذلك التواطؤ المريب والخيانة النضالية بوضع أيديهم بيد المستعمر البريطاني ضد إخوة النضال في جبهة التحرير والتنظيم الشعبي. أدى ذلك إلى نشوب حرب أهلية طاحنة أودت بحياة الكثيرين من الطرفين، وخاصة بعد أن أعلن جيش اتحاد الجنوب العربي «الليوي» انحيازه إلى صفوف الجبهة القومية، مما زاد الطين بلة. طبعًا هناك تعليمات بريطانية لقيادة جيش الليوي لمناصرة الجبهة القومية، كما وجه الضباط السياسيون البريطانيون إلى تهديد السلاطين والأمراء والمشايخ بتسليم سلطاتهم للجبهة القومية، حيث إن بريطانيا لا تتحمل أي مسؤولية عن حياتهم وتنصحهم بالمغادرة خارج البلاد. بعضهم استسلم وتقبل الأمر وغادر، والباقون تعرضوا للسجون.


أما المناضلون الشرفاء من أبناء جبهة التحرير والتنظيم الشعبي فقد قاتلوا بشجاعة لعدة أيام، لكنهم اضطروا لاحقًا إلى المغادرة إلى المنافي والدول المجاورة بعد الدعم البريطاني القوي للجبهة القومية. وكانت طائرات هوكر هنتر تلاحق المناضلين المنسحبين حتى منطقة كرش. ومن ضمن آخر المنسحبين حبيبنا المناضل شيخ الحمزة، الذي استقر في مدينة تعز، المدينة التي أحبها بجنون، هذه المدينة الباسلة التي احتضنت الثوار أثناء حرب التحرير واحتضنتهم أيضًا عندما غدر فيهم إخوة النضال سابقًا والأعداء لاحقًا.


نشير إلى أن المناضل شيخ الحمزة كان واحدًا من الذين أسسوا فرق التنظيم الشعبي في اجتماعهم التاريخي في بيت الفقيه مع القائد الناصري الكبير المناضل عبدالله محمد ناصر المجعلي. شيخ الحمزة من المناضلين المجهولين الذين لم يتحدثوا عن أنفسهم لتواضعهم الجم ولا يحبون الأضواء أو حب الظهور.


للحديث عن مواضيع نضاله المشرف بعد رحلة العمر هذه: غادر دنيانا الفانية إلى رحاب الله عام 2023 في قريته بمديرية الوضيع محافظة أبين. لكننا نحن الذين تتلمذنا نضاليًا على يديه لن ننساه ما حيينا. فمثل هؤلاء الرجال معدنهم من ذهب وفولاذ لا يصدأ. كان في بداياته قد تلقى دورات تدريبية في تعز على يد خبراء مصريين في المفرقعات وتخصص فيها. عاصر كل القادة في الفرق الفدائية المقاتلة للتنظيم الشعبي منهم: بالليل بن راجح غالب لبوزه، ومحمد عبدالله الصغير، ومحمد عوض باعوضة، وأبو زيد الضالعي، وعبد الرحمن الصريمي، ومحمد ناصر مختار، وعلي بن علي هادي، وصالح ملقاط، وصالح الحكومة، وخالد أحمد سعيد المفلحي، وعبد القوي شاهر، وبخيت مليط، والحاج فضل صالح الطيار وأخيه عبد الصفي صالح الرجاعي، وعزب محمد فضل العزيبي، وعبدالله درويش، وعدد من المقاتلين الأشدّاء. هؤلاء الرجال الشجعان المكافحون بشرف ونزاهة وضمير هم زادنا وذخيرتنا وعزنا نحن الناصريين. نضعهم تاجًا فوق رؤوسنا، وسيظلون مشاعل خالدة لا تنطفئ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.



إقراء أيضا