نخب بلا مشروع
خالد طرابوش
خالد طرابوش


تُعدّ النخب اليمنية من أكثر الفاعلين إصرارًا على ترديد خطاب غياب المشروع الوطني الكبير والوعي المجتمعي، وتقديمهما بوصفهما السبب الوحيد لكل فشل سياسي وكل انهيار داخلي وكل تغوّل خارجي شهدته اليمن. غير أن هذا الخطاب، عند نثره، يتحوّل من تشخيصٍ للأزمة إلى تبريرٍ مباشرٍ لوجود هذه النخب نفسها.


فالوظيفة التاريخية والسياسية للنخب في أي مجتمع ليست الشكوى من غياب المشروع، بل إنتاج المشروع وصياغة الوعي الجمعي حوله، ثم تحويله إلى برنامج عمل سياسي واجتماعي. وعليه، فإن اعترافهم المستمر بغياب المشروع والوعي ليس دليلًا على عمق التحليل، بل إقرار ضمني بالفشل الذاتي.


عمليًا، مارست قطاعات واسعة من النخب اليمنية السياسة بوصفها وسيلة للتكسّب المادي غير المشروع، لا بوصفها أداة لإدارة الصراع الاجتماعي وبناء الدولة؛ إذ هي استعارة لشرعية شعبية ورمزية لا تستحقّها، دون أن تنتج خطابًا صادقًا مع المجتمع، ولا رؤية واضحة للداخل، ولا لغة مسؤولة تجاه الإقليم والعالم.


ولو كانت هذه النخب جادّة وصادقة وتمتلك كفاءة فكرية وسياسية حقيقية، لما وصلت البلاد إلى هذا المستوى من الانهيار الممتد لعقود؛ فالمحصّلة العملية لأدائها لا تشير إلى امتلاك عقول استراتيجية، بل إلى امتلاك شبكات مصالح وجيوب متخمة وقدرة عالية على المناورة والتلوّن، لا على البناء.


الأخطر من ذلك أن هذا الأداء النخبوي ساهم في إنتاج فراغ سياسي وفكري شامل، وهو فراغ لا يبقى بلا فاعل؛ إذ سرعان ما يُملأ بقوى أمر واقع، وعلى رأسها المليشيات التي، بخلاف النخب، تمتلك مشروعًا تعبويًا واضحًا وتستثمر بفعالية في تشكيل الوعي الاجتماعي، مهما كانت طبيعة هذا المشروع أو خطورته.


لقد تبنّت النخب، بدلًا من المبادرة، استراتيجية الانتظار: انتظار متغيّر داخلي أو خارجي، أزمة، حرب، تدخّل إقليمي، أو صفقة دولية، يتمّ القفز عليها وتقديم نفسها كبديل جاهز. وما يُسهّل هذا القفز هو العصبوية التي تشكّلت بينها بفعل المصالح والفساد، رغم اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية، حتى باتت هذه العصبوية قادرة على إقصاء أي متغيّر جديد، ولو كان يحمل إمكانية حقيقية لإنقاذ البلد.


بذلك، لم تعد هذه النخب جزءًا من الحل، بل أصبحت جزءًا بنيويًا من المشكلة؛ لأنها عطّلت أهم مبرّر لوجودها: إنتاج مشروع وطني جامع، وبناء وعي مجتمعي نقدي قادر على حمايته وتطويره.



إقراء أيضا