هل تحتاج ناصرية الشهيد الحمدي إلى دليل؟!!
محمد سيف الحسني
محمد سيف الحسني


موضوع انتماء الشهيد القائد إبراهيم الحمدي للتنظيم أصبح موثقًا ومتداولًا، ولا يحتاج إلى المزيد. ولكن، ونزولًا عند رغبة بعض الإخوة المناضلين الأعزاء للإدلاء بشهادتي للتاريخ، بصفتي أحد أعضاء المؤتمر الوطني العام الخامس الذي انعقد بمدينة الحديدة في الفترة من 29 إبريل وحتى 1 مايو من العام 1977م، وبحكم أن المؤتمر كلفنا الأخ المناضل عبد الغني ثابت محمد وكاتب هذه السطور بمسؤولية القيام بأعمال سكرتارية المؤتمر، أقول إبراءً للذمة وشهادةً للتاريخ: إن الشهيد القائد إبراهيم محمد الحمدي قد حضر المؤتمر الوطني العام الخامس بصفته عضوًا في اللجنة المركزية للتنظيم، وكان من المقرر أن يحضر أيضًا عضو اللجنة المركزية المرحوم عبد الله عبد العالم (الذي لم يتمكن من الحضور). وكان الشهيد الحمدي يجلس أمامنا ونحن نقوم بتدوين محاضر جلسات أعمال المؤتمر، الأخ عبد الغني ثابت وأنا بصفتي السكرتير الثاني للمؤتمر، وكنا نجلس بجوار بعضنا.


ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن الأخ الشهيد عيسى محمد سيف عرض على المؤتمر، بعد انتخاب أعضاء اللجنة المركزية، أن يتخذ المؤتمر قرارًا بانتخاب الأخ الشهيد إبراهيم الحمدي أمينًا عامًا للتنظيم. وبتواضع جمّ، طلب الشهيد الحمدي توضيح موقفه من هذا المقترح، وبعد أن شكر الإخوة على الثقة بادر بالقول إن مهمة كهذه، إضافة إلى قيادة الدولة في هذه الظروف، مهمة شاقة ولا يستطيع الجمع بينهما. وأمام إلحاح المؤتمر، اقترح الشهيد الحمدي على المؤتمر أن يبحث عن من يتولى قيادة الدولة حتى يتفرغ هو لمهام الأمين العام! وأمام هذا الرد المقنع ارتسمت الابتسامات عريضة على الشفاه تعبيرًا عن قبول الرد!


لقد انعقد المؤتمر في ظل احتياطات أمنية مشددة جرى الترتيب لها من وقت مبكر على موعد انعقاده في منزل الأخ المناضل عبد العزيز سلطان المنصوب، لتوفر الشروط الضرورية من حيث الموقع. كما كانت عملية تغطية حضور الشهيد الحمدي لمقر المؤتمر عملية أمنية في غاية الدقة والإبداع.


ومن المعلوم أن انعقاد المؤتمر سبقته تحضيرات وترتيبات حافظ فيها التنظيم على سريتها حتى يضمن التوصل إلى النتائج التي خُطط للوصول إليها، ومنها الحوارات التي سبقت مع قيادة الطليعة العربية قبل انعقاد مؤتمر فرعها في اليمن واتخاذه قراره بوقف العلاقة التنظيمية مع التنظيم القومي، والإبقاء على العلاقة الفكرية والسياسية، ولأسباب لا مجال للخوض فيها هنا. وحين فتح التنظيم الحوار مع الشهيد الحمدي كان قد أصبح تنظيمًا ناصري الفكر، وطني الحركة، وحدوي الاتجاه، يحمل اسم (الطلائع الوحدوية اليمنية)، وظل التنظيم يحمل هذا الاسم حتى العلنية حين اعتمدت التسمية الحالية للتنظيم.


على أن التنظيم اتخذ لنفسه أسماء أغطية لأسباب مختلفة، كانت جبهة 13 يونيو للقوى الشعبية آخرها.


وقبل أن أختتم هذه الشهادة أتوجه إلى الإخوة في الحزب الاشتراكي اليمني، قيادةً وقواعد، برجاء أن يعودوا إلى ما كتبه الشهيد جار الله عمر في مذكراته المنشورة، والتي يتوفر منها نسخة على الإنترنت، بقوله: «وكان للحمدي عضوية في التنظيم غير معلنة»، في سياق حديثه عما عنونه بمحاولة انقلاب الناصريين.


ومع ذلك لا يزال بعضٌ من الإخوة الاشتراكيين يصرّ على أن الشهيد إبراهيم الحمدي وأخيه الشهيد عبد الله، اللذين كانا في حركة القوميين العرب، أبقيا على عضويتهما في الحزب الديمقراطي الثوري اليمني الذي تأسس بعد انفصال فرع حركة القوميين العرب (فرع اليمن) عن مركز الحركة في الشام عام 1968م، وحتى بعد أن أصبح الشهيد الحمدي رئيسًا وقائدًا عامًا للقوات المسلحة بعد حركة 13 يونيو 1974م. مع أن المرحوم سعيد أحمد الجناحي، في كتابه (الحركة الوطنية اليمنية من الثورة إلى الوحدة)، يقول في معرض شرح الخطوات التي أقدم عليها الشهيد الحمدي لإعادة تنظيم القوات المسلحة والأمن بحظر العمل الحزبي في صفوفها، علق الجناحي بقوله: «فالمقدم الحمدي نفسه نشط في خلية عسكرية من خلال حركة القوميين العرب، هو وأخوه المقدم عبد الله الحمدي، ثم تخليا عن نشاطهما بعد أن تحولت الحركة إلى حزب هو الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، وإعلانه عن استراتيجية حرب التحرير الشعبية وإسقاط السلطة بالكفاح المسلح» ص 521. ولأن الشهيد الحمدي كان قوميًّا، فقد كان من الطبيعي أن يتخلى عن عضوية حركة القوميين العرب بعد أن تحولت من الناصرية إلى تبني الأيديولوجية الماركسية.


ثم إن قومية وناصرية الشهيد الحمدي كانت واضحة ولا تخطئها العين في الأفكار التي كان يعبر عنها تجاه قضايا الوطن والمواطن، وسعيه الدؤوب لبناء دولة النظام والقانون، وتحقيق العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، وخطبه وأحاديثه، وإنجازات الحركة التي تحققت في عمرها القصير، خير دليل على صدق الانتماء القومي لقائدها، والذي توّج بعضويته في التنظيم الناصري.


ثم ألم يكن يلفت الانتباه إلى ترحّمه الدائم في كل مناسبة وطنية وقومية على أرواح الشهداء العرب من أبناء مصر العروبة الذين رووا بدمائهم الزكية، مع إخوانهم من اليمنيين، تراب هذه الأرض الطيبة دفاعًا عن ثورة 26 سبتمبر الخالدة، ودعمًا لثوار وشعب جنوب وطننا الغالي إبان الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني، حتى نال الاستقلال الناجز في الثلاثين من نوفمبر من العام 1967م؟


نحن في التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري نعتز بتاريخ نضالنا الوطني والقومي، وحريصون على أن يصل إلى الأجيال الصاعدة من أبناء شعبنا اليمني العظيم وأبناء أمتنا العربية المجيدة والإنسانية جمعاء، بأعلى قدر من الوضوح والصدقية، وبما يليق بالتضحيات الغالية التي دفعها التنظيم في الساحة الوطنية جهدًا وعرقًا ودماءً زكية قُدمت فداءً لحرية الوطن والمواطن، ووحدة الأمة، واستعادة حقوقها المغتصبة، على طريق بناء مجتمع الكفاية والعدل.


على أن ما يُقدم من شهادات ومعلومات ممن صنعوا وشاركوا وعاصروا تلك الوقائع والأحداث تصبح بين يدي التاريخ لكي يقول فيها كلمته.


إقراء أيضا