هل كانت ثورة فبراير خطأ؟
أشرف الريفي
أشرف الريفي


قريبًا، تحلّ الذكرى الخامسة عشرة لثورة 11 فبراير الشبابية الشعبية، تلك اللحظة الفارقة التي خرج فيها اليمنيون، بلا وصاية ولا سلاح، ليقولوا كلمتهم بوضوح: نريد دولة، نريد كرامة، نريد مستقبلًا.


لم تكن فبراير حدثًا عابرًا في تاريخ اليمن، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن همّ المواطن اليمني، وعن لحظة يأس وخيبة متراكمة، غذّتها سنوات طويلة من الفساد، وتآكل مؤسسات الدولة، وانسداد الأفق السياسي والاقتصادي. وكانت الثورة، في جوهرها، انفجارًا أخلاقيًا قبل أن تكون حراكًا سياسيًا.


في ساحات التغيير، تكتّف الطالب والعامل، المدرّس والمهندس، الطبيب والصحفي، وخرجت كل شرائح المجتمع في مشهد نادر لا يتكرر كثيرًا في تاريخ الشعوب؛ مشهد لوحدة وطنية حقيقية تجاوزت الانتماءات الضيقة، ورفعت اليمن، وللمرة الأولى، بوصفه حلمًا مشتركًا.


نجحت الثورة في تحقيق أحد أهدافها الكبرى، بإزاحة رأس النظام، وكسر حاجز الخوف، وفتح المجال العام أمام اليمنيين. غير أن هذا النجاح الجزئي لم يكتمل، إذ فشلت الثورة في تحقيق كامل أهدافها، المتمثلة في بناء دولة مدنية عادلة، ومؤسسات قوية، ونظام سياسي جديد يعبّر عن روح فبراير.


ولم يكن هذا الفشل نابعًا من ضعف الفكرة الثورية، بل من المسار الذي فُرض عليها لاحقًا. فقد جرى احتواء الثورة والسيطرة عليها من قبل أجندات حزبية وتقليدية لم ترَ في نفسها حاملةً لمشروع تغيير جذري، بل وريثًا للنظام السابق، سعت إلى إعادة إنتاجه بوسائل جديدة.


وبفعل التأثيرات الخارجية وحسابات الإقليم، دُفعت البلاد نحو المبادرة الخليجية، التي حوّلت الثورة من مشروع تغيير شعبي إلى تسوية سياسية هشة، قائمة على حكومة مناصفة، تتربّص أطرافها ببعضها، وتُدار بعقلية المحاصصة لا بعقلية الدولة. وهكذا، جرى تعطيل المسار نحو تحقيق طموحات شباب التغيير، وإجهاض أحلام اليمنيين في انتقال حقيقي.


الأخطر من ذلك، أن تحميل ثورة الشباب مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع اليوم، يُعد قراءة معكوسة للتاريخ. فالثورة لم تُنتج الفشل، بل كشفت عمقه. ولم تُسقط الدولة، بل عرّت هشاشتها. أما الانهيار، فكان نتيجة تحالف الفساد مع السلاح، وفشل النخب في حماية المسار الانتقالي، وصعود قوى فرضت مشروعها بالقوة.


اليوم، تعالت الأصوات التي تُحمّل ثورة فبراير مسؤولية الوضع المنهار والمتشظي الذي تعيشه البلاد. غير أنّ مناقشة هذا الطرح بهدوء تكشف أن الثورة لم تُسقط الدولة، لأن الدولة كانت منهكة أصلًا قبل عام 2011، بدولة مؤسسات ضعيفة، وفساد ممنهج، وصراعات مسلحة (صعدة، الجنوب، القاعدة)، واقتصاد هش. ما يعني أن الانفجار كان نتيجة تراكمات طويلة، لا سببًا جديدًا، وأن الثورة لم تُنشئ الأزمة… بل كشفتها.


ولو لم تخرج الثورة، لكان الانفجار سيأتي لاحقًا وبشكل أعنف. فالمشكلة لم تكن في المطالبة بالتغيير، بل في من أفشله.


كما أن تحميل الثورة وزر ما حدث بعد عام 2011 ينطوي على كثير من الظلم، واستدلال غير متصل بالسياق ولا بالموضوع. فمن غير العادل مساواة شباب خرجوا سلميًا يطالبون بدولة قانون، بنخب سياسية وعسكرية عقدت صفقات، أو بقوى مسلحة استغلت الفراغ، أو بتدخلات إقليمية ودولية كانت لها مآرب معادية لمسارات التغيير في المنطقة.


دعونا نسأل أنفسنا بهدوء:هل كان الشباب هم من وقّعوا المبادرات؟ هل كانوا من قادوا الجيوش؟ هل كانوا من سلّح المليشيات؟


سنجد أن القوى التقليدية أعادت إنتاج نفسها، وأن الدولة العميقة قاومت التغيير، وأن جماعة الحوثي استغلت الفوضى وفرضت مشروعها بالقوة. ولهذا، فإن تحميل الثورة ذنب ما آلت إليه الأمور، يشبه لوم المريض لأنه ذهب إلى الطبيب.


وبمنطق التاريخ، فإن كل الثورات تمر بمراحل: كسر الخوف، ثم الصراع على السلطة، لتنتهي إما بالارتداد أو بالنجاح. وقد توقفت بلادنا عند المرحلة الثانية، بسبب غياب القيادة الثورية، وتفوّق السلاح على السياسة، وتفضيل ما سُمّي بـ“الاستقرار الوهمي” على التغيير الحقيقي.


بعد خمسة عشر عامًا، لا تبدو فبراير مجرد ذكرى للمراجعة، بل مرآة لفرصة ضاعت، ودليلًا على أن الثورات لا تُقاس بلحظتها الأولى، بل بقدرة المجتمعات على حمايتها من الاختطاف.


لقد هُزمت ثورة فبراير سياسيًا، نعم، لكنها لم تُهزم أخلاقيًا. ما زالت قيمها حيّة في وعي جيل كامل، وما زال سؤالها مفتوحًا:

كيف نبني دولة لا تُختطف؟ وكيف نُنجز التغيير دون أن تلتهمه النخب القديمة؟

فبراير لم تكن خطأً… الخطأ كان فيمن خانها.


وفي هذه اللحظة الدقيقة التي تمرّ بها البلاد، يصبح من الأجدى أن نخرج من دائرة تبادل اللوم، وأن ننظر إلى الواقع كما هو، لا كما نختلف حوله. فاليمن اليوم يواجه خطر التمزق أكثر من أي وقت مضى، ولا يحتمل مزيدًا من الاستقطاب أو استدعاء صراعات الماضي. إن المسؤولية الوطنية تقتضي من أبناء فبراير، ومن اختلفوا معها، ومن جميع اليمنيين، أن يدركوا أن ما يجمعهم اليوم أكبر بكثير مما فرّقهم بالأمس، وأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة لا يمكن تجزئتها أو تأجيلها.


إن المركب الذي يحملنا جميعًا واحد، وأي تصدّع فيه لن يستثني أحدًا. ولهذا، فإن تغليب لغة الحكمة، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الضيقة، والاعتراف بالأخطاء بروح مسؤولة، تمثل الخطوة الأولى نحو إنقاذ بلد أنهكته الصراعات، وما زال يستحق فرصة جديدة للحياة.


إقراء أيضا