ثقافة الغطاء.. جوهر الأزمة اليمنية
خالد طرابوش
خالد طرابوش


حين قال الرئيس السابق علي عبدالله صالح إنه لن يكون مظلّة للفاسدين في أحد خطاباته، كان - من حيث يدري أو لا يدري - يضع إصبعه على جوهر المعضلة التي أرهقت الدولة اليمنية طويلًا.


المفارقة أن شعاراته شيء، والبنية التي أُديرت بها السلطة شيء آخر؛ لكن العبارة نفسها تختصر سؤالًا عميقًا: هل الأزمة في الأفراد أم في فكرة الحماية ذاتها؟


مشكلة اليمن لم تكن يومًا نقص الشعارات أو الخطابات الأخلاقية، بل في تحوّل القيادة في الدولة والأحزاب والمكوّنات السياسية، وحتى بعض المنظمات الأهلية، إلى مظلّة حماية للفاسدين. ويصبح الرمز هو الضامن، لا للقانون بل لأتباعه، ويُختزل الاستمرار والبقاء في القدرة على توفير الغطاء، لا في القدرة على بناء مؤسسة نظيفة ومحكومة باللوائح.


حين تتحول تلك المظلّة إلى شرط ولاء، تتآكل المعايير؛ فالكفاءة تتراجع أمام المصالح، والمساءلة تُؤجَّل باسم التماسك، والفساد يُبرَّر باعتباره ضرورة لحماية الصف أو الحفاظ على النفوذ. وهنا تبدأ الدولة أو المكوّن السياسي في التراجع خطوةً وراء أخرى، لا بسبب عجز الموارد، بل بسبب اختلال الفكرة المؤسسة: حماية الأشخاص الفاسدين بدل حماية القواعد الأخلاقية والقانونية.


تخيّلوا لو أن رئيس الدولة، ورؤساء الأحزاب، وقيادات المكوّنات السياسية، ومديري المنظمات، قرروا بوعي ومسؤولية أن يتخلوا عن دورهم كمظلّة لحماية الفاسدين لصالح دور المؤسسة؛ عندها ستختلف المعادلة بالكامل. ستتساقط كثير من الشبكات التي تعيش على الغطاء، وستُفتح مساحة لقيادات جديدة معيارها الكفاءة لا الحماية.


الدول لا تنهض بخطابات أخلاقية عن النزاهة، بل بقرار سياسي واضح: لا أحد فوق النظام. وعندما تتوقف القيادات عن اعتبار حماية الفاسدين ضمانًا لبقائها، ستكتشف أن العكس هو الصحيح؛ فـالشرعية الحقيقية تُبنى من الثقة، والثقة لا تُشترى بالمحسوبيات بل تُكتسب بالعدل.


المعضلة، إذن، ليست في فساد هنا أو هناك، بل في ثقافة المظلّة ذاتها. وكسر هذه الثقافة هو الخطوة الأولى للخروج من الدوران في الحلقة نفسها. ومن دون ذلك سنظل نبدّل الوجوه ونحتفظ بالبنية، ونستغرب لماذا لا يتغير شيء.


إقراء أيضا