إلى روح الدكتور عبد القدوس .. المناضل الإنسان .. كلمة وداع
محمد سيف ناجي
محمد سيف ناجي
قبيل‭ ‬مغادرته‭ ‬صنعاء‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ - ‬ترافقه‭ ‬السيدة‭ ‬الفاضلة‭ ‬زوجته‭ - ‬ببضع‭ ‬ساعات‭ ‬قدمت‭ ‬لزيارته‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬العامر‭, ‬أمضينا‭ ‬نحو‭ ‬ساعتين‭ ‬نتجاذب‭ ‬أطراف‭ ‬الحديث‭ ‬حول‭ ‬مواضيع‭ ‬متعددة‭, ‬منها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬شخصي‭ ‬بحت‭, ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬داخلي‭, ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالوضع‭ ‬السياسي‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬مفاعيل‭ ‬الثورة‭ ‬الشعبية‭ ‬السلمية‭ ‬المباركة‭.‬ 
ولقد‭ ‬حرصت‭ ‬بداية‭ ‬أن‭ ‬أطمئن‭ ‬على‭ ‬صحته‭, ‬خصوصاً‭ ‬وقد‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬تحديده‭ ‬لموعد‭ ‬السفر‭ ‬أخذ‭ ‬طابع‭ ‬الاستعجال‭, ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬فقد‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬بث‭ ‬روح‭ ‬الطمأنينة‭ ‬لدى‭ ‬الجميع‭, ‬وأكد‭ ‬لي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬الزيارة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بموعد‭ ‬مسبق‭ ‬حدده‭ ‬له‭ ‬طبيبه‭ ‬لإجراء‭ ‬فحوصات‭ ‬روتينية‭, ‬وأنه‭ ‬حريص‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬تجنيب‭ ‬البلاد‭ ‬شر‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬مالا‭ ‬تحمد‭ ‬عقباه‭, ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬نذر‭ ‬المواجهة‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬قريبة‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر‭ ‬2011م‭.‬
ومع‭ ‬أن‭ ‬إقامته‭ ‬في‭ ‬الكنانة‭ ‬قد‭ ‬طالت‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬وكنا‭ ‬نتوقع‭, ‬وفيما‭ ‬كنا‭ ‬نتوقع‭ ‬عودته‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اجتاز‭ ‬الفحوصات‭ ‬الطبية‭ ‬المقررة‭ ‬بنجاح‭, ‬وحدد‭ ‬موعداً‭ ‬لعودته‭.. ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬كما‭ ‬كنا‭ ‬نأمل‭ ‬ونتمنى‭.‬
ولم‭ ‬أكن‭ ‬أعلم‭ ‬بأن‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬هو‭ ‬لقاؤنا‭ ‬الأخير‭, ‬ولم‭ ‬أتوقف‭ ‬يومها‭ ‬ملياً‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬الكلمات‭ ‬والعبارات‭ ‬التي‭ ‬سمعتها‭ ‬منه‭.. ‬فقد‭ ‬اعتدنا‭ ‬في‭ ‬لقاءاتنا‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬صوت‭ ‬عالٍ‭, ‬وأن‭ ‬نتبادل‭ ‬الآراء‭ ‬بصراحة‭ ‬ووضوح‭, ‬وحتى‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬وجهة‭ ‬نظرنا‭ ‬حول‭ ‬قضية‭ ‬أو‭ ‬موضوع‭ ‬ما‭.. ‬واعترف‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أفق‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬هول‭ ‬الصدمة‭ ‬التي‭ ‬أصابتني‭ ‬لفراقه‭.. ‬ولكنني‭ ‬حين‭ ‬استذكر‭ ‬الآن‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسانه‭ ‬في‭ ‬لقاءنا‭ ‬ذاك‭, ‬أشعر‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬الحزن‭ ‬والحسرة‭, ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬استطع‭ ‬وقتها‭ ‬أن‭ ‬أتبين‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يحدثني‭ ‬حديث‭ ‬مودع‭, ‬وعذري‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬حريصاً‭ ‬على‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬وقع‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬علي‭ ‬مسبوقاً‭ ‬بنكتة‭ ‬أو‭ ‬متبوع‭ ‬بطرفة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬عادة‭ ‬أبو‭ ‬إيهاب‭.‬
لم‭ ‬أكن‭ ‬أعلم‭ ‬بأن‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬سيكون‭ ‬خاتمة‭ ‬للقاء‭ ‬امتد‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭, ‬حين‭ ‬التقيت‭ ‬به‭ ‬وجهاً‭ ‬لوجه‭ ‬أواخر‭ ‬العام‭ ‬1973م‭ ‬في‭ ‬عيادته‭ ‬بالحديدة‭, ‬ثم‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬معاهد‭ ‬التأهيل‭ ‬الداخلي‭, ‬ثم‭ ‬أثناء‭ ‬حضور‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬العام‭ ‬الخامس‭ ‬للتنظيم‭, ‬وقد‭ ‬تعددت‭ ‬اللقاءات‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬صنعاء‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬مختلفة‭ ‬امتدت‭ ‬حتى‭ ‬مغادرتي‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭ ‬مطلع‭ ‬العام‭ ‬1978م‭ ‬للعمل‭ ‬بسفارة‭ ‬بلادنا‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬لبضعة‭ ‬أشهر‭ ‬وتحديداً‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬العام‭, ‬حين‭ ‬حاولت‭ ‬أجهزة‭ ‬النظام‭ ‬وبأساليب‭ ‬ملتوية‭ ‬إعادتي‭ ‬إلى‭ ‬صنعاء‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬نجاحها‭ ‬بإجهاض‭ ‬انتفاضة‭ ‬15‭ ‬أكتوبر‭ ‬78م‭ ‬السلمية‭, ‬حيث‭ ‬غادرت‭ ‬الكويت‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬ودمشق‭.. ‬وهنا‭ ‬تجدد‭ ‬اللقاء‭ ‬مع‭ ‬الدكتور‭ ‬المضواحي‭ ‬وعدد‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الإخوة‭ ‬ممن‭ ‬قدر‭ ‬الله‭ ‬لهم‭ ‬السلامة‭ ‬والنجاة‭ ‬من‭ ‬براثن‭ ‬نظام‭ ‬الاستبداد‭ ‬والفساد‭, ‬ولم‭ ‬يلقوا‭ ‬ذات‭ ‬المصير‭ ‬الذي‭ ‬لقيه‭ ‬أولئك‭ ‬القادة‭ ‬الأفذاذ‭ ‬والأبطال‭ ‬القدوة‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬التنظيم‭ ‬المدنيين‭ ‬والعسكريين‭.‬
لقد‭ ‬التقينا‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬القدوس‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬بعد‭ ‬انتفاضة‭ ‬أكتوبر‭ ‬قادماً‭ ‬من‭ ‬عدن‭ ‬إثر‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬الوطن‭ ‬حينها‭, ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬أهم‭ ‬فعالية‭ ‬شعبية‭ ‬ضد‭ ‬نظام‭ ‬الاستبداد‭ ‬والفساد‭, ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬حشد‭ ‬وتنظيم‭ ‬قبائل‭ ‬البيضاء‭ ‬ومأرب‭ ‬والجوف‭ ‬وعمران‭ ‬وحجة‭, ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬عقد‭ ‬مؤتمر‭ (‬حائر‭ ‬العش‭) ‬للتصدي‭ ‬لجرائم‭ ‬النظام‭ ‬بحق‭ ‬القوى‭ ‬الخيرة‭ ‬المناهضة‭ ‬له‭, ‬وبحق‭ ‬الشخصيات‭ ‬الوطنية‭ ‬المعارضة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭.‬
التقينا‭ ‬بالدكتور‭ ‬عبدالقدوس‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬يومها‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ويلات‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬المدمرة‭.. ‬جاء‭ ‬يحمل‭ ‬إلينا‭ ‬أخباراً‭, ‬كان‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أنه‭ ‬يستهدف‭ ‬من‭ ‬إلقائها‭ ‬على‭ ‬مسامعنا‭ ‬رفع‭ ‬الروح‭ ‬المعنوية‭ ‬لدينا‭, ‬من‭ ‬واقع‭ ‬إدراكه‭ ‬لقسوة‭ ‬الأوضاع‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬التنظيم‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬عقب‭ ‬الضربة‭ ‬التي‭ ‬تلقاها‭ ‬بُعيد‭ ‬إجهاض‭ ‬الانتفاضة‭.. ‬وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يناقش‭ ‬معنا‭ ‬خطة‭ ‬التحرك‭ ‬السياسي‭ ‬والإعلامي‭ ‬لمواجهة‭ ‬ممارسات‭ ‬النظام‭ ‬وكشف‭ ‬أساليبه‭ ‬وتفنيد‭ ‬مزاعمه‭.. ‬وكانت‭ ‬مناسبة‭ ‬انعقاد‭ ‬مؤتمر‭ ‬الشعب‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬87م‭, ‬فرصة‭ ‬مواتية‭ ‬لإشهار‭ (‬جبهة‭ ‬13‭ ‬يونيو‭ ‬للقوى‭ ‬الشعبية‭) ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العربي‭ ‬والدولي‭, ‬ثم‭ ‬استمرت‭ ‬اللقاءات‭ ‬وتعددت‭ ‬بتعدد‭ ‬الأنشطة‭ ‬والمهام‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬علينا‭ ‬القيام‭ ‬بها‭ ‬مجتمعين‭ ‬في‭ ‬وفود‭ ‬أو‭ ‬مجموعات‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬منفردين‭, ‬وسواءً‭ ‬أكان‭ ‬ذلك‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬فيها‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لجبه‭ ‬13‭ ‬يونيو‭ ‬أو‭ ‬قبلها‭ ‬أو‭ ‬بعدها‭, ‬وتشاء‭ ‬الأقدار‭ ‬أن‭ ‬نقيم‭ ‬معاً‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬لفترة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬ليس‭ ‬لتمتين‭ ‬العلاقات‭ ‬الأخوية‭ ‬والشخصية‭ ‬فيما‭ ‬بيننا‭ ‬بل‭ ‬وأن‭ ‬تتعزز‭ ‬علاقة‭ ‬أسرية‭ ‬رائعة‭ ‬ومستمرة‭.‬
وقبل‭ ‬انتقاله‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬زمالة‭ ‬كلية‭ ‬الجراحين‭ ‬البريطانيين‭ ‬كان‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭, ‬وعند‭ ‬اجتياح‭ ‬جيش‭ ‬العدو‭ ‬الصهيوني‭ ‬لبنان‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬1982م‭, ‬ووصوله‭ ‬بقواته‭ ‬المعتدية‭ ‬إلى‭ ‬العاصمة‭ ‬بيروت‭, ‬أبى‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالقدوس‭ ‬مغادرة‭ ‬بيروت‭ ‬معلناً‭ ‬تضامنه‭ ‬مع‭ ‬أهلها‭ ‬ومع‭ ‬المقاومة‭ ‬الوطنية‭ ‬اللبنانية‭ ‬وقوات‭ ‬الثورة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القضية‭ ‬العربية‭ ‬المركزية‭, ‬وصمد‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬العدوان‭.‬
وبعد‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬الزمالة‭ ‬بدأ‭ ‬يطرح‭ ‬علينا‭ ‬مسألة‭ ‬عودته‭ ‬للداخل‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بانتظاره‭ ‬وأمام‭ ‬إصراره‭ ‬لم‭ ‬نجد‭ ‬سوى‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬طلبه‭, ‬فعاد‭ ‬إلى‭ ‬صنعاء‭ ‬وكان‭ ‬يعلم‭ ‬أنه‭ ‬سيتعرض‭ ‬لأوضاع‭ ‬وظروف‭ ‬بالغة‭ ‬القسوة‭, ‬لكنه‭ ‬واجهها‭ ‬بشجاعة‭ ‬نادرة‭, ‬واستمر‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬دوره‭ ‬النضالي‭ ‬المتميز‭ ‬برغم‭ ‬كل‭ ‬التحديات‭ ‬والمعوقات‭, ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬جعله‭ ‬يحتل‭ ‬موقعاً‭ ‬رفيعاً‭ ‬ومتقدماً‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬وعقول‭ ‬ليس‭ ‬إخوة‭ ‬النضال‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عرفة‭ ‬أو‭ ‬اقترب‭ ‬منه‭ ‬أو‭ ‬لجأ‭ ‬إليه‭ ‬طالباً‭ ‬المساعدة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬مثار‭ ‬إعجاب‭ ‬الجميع‭.‬
لقد‭ ‬ظل‭ ‬أبو‭ ‬إيهاب‭ ‬دائم‭ ‬الحضور‭ ‬بيننا‭ ‬بروح‭ ‬المناضل‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تصرفه‭ ‬مشاغله‭ ‬المتعددة‭ ‬والمتنوعة‭ ‬عن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بإخوة‭ ‬نضاله‭ ‬وأوضاعهم‭ ‬وأحوالهم‭, ‬ولا‭ ‬تمنعه‭ ‬عن‭ ‬محاولة‭ ‬القيام‭ ‬بمساعدتهم‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬تواجههم‭, ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تجلت‭ ‬بعلاقته‭ ‬مع‭ ‬الخصوم‭ ‬ناهيكم‭ ‬عن‭ ‬الحلفاء‭ ‬والأصدقاء‭, ‬ولعلها‭ ‬نفسها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬مكنته‭ ‬من‭ ‬نسج‭ ‬علاقات‭ ‬كثيرة‭ ‬ومتعددة‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬أطراف‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الساحة‭, ‬مما‭ ‬أعانه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬لتقريب‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬بين‭ ‬المختلفين‭ ‬ورأب‭ ‬الصدع‭ ‬بين‭ ‬المتخاصمين‭.‬
لقد‭ ‬أسهم‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالقدوس‭ ‬بدورٍ‭ ‬فعالٍ‭ ‬ومشهود‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬أطراف‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الوطنية‭ ‬قبل‭ ‬الوحدة‭ ‬وبعدها‭, ‬وله‭ ‬إسهامه‭ ‬المميز‭ ‬في‭ ‬وصول‭ ‬القوى‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬للعمل‭ ‬المشترك‭ ‬تمثل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬انعقاد‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭, ‬وفي‭ ‬الحوار‭ ‬الوطني‭ ‬الجاد‭ ‬والمسؤول‭ ‬الذي‭ ‬أثمر‭ ‬عن‭ ‬اتفاق‭ ‬الأطراف‭ ‬على‭ (‬وثيقة‭ ‬العهد‭ ‬والاتفاق‭) ‬ثم‭ ‬مواصلة‭ ‬مساعيه‭ ‬للارتقاء‭ ‬بصيغة‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬لقوى‭ ‬المعارضة‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ (‬اللقاء‭ ‬المشترك‭) ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬اليوم‭ ‬تجربة‭ ‬متميزة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الوطني‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬الساحات‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭.. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬ننسى‭ ‬إن‭ ‬نسينا‭ ‬مشاركته‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬لجنة‭ ‬الحوار‭ ‬الوطني‭ ‬وفي‭ ‬دعم‭ ‬وتأييد‭ ‬الثورة‭ ‬الشبابية‭ ‬الشعبية‭ ‬السلمية‭ ‬المباركة‭ ‬والدفع‭ ‬بها‭ ‬باتجاه‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬كاملة‭ ‬غير‭ ‬منقوصة‭.‬
وكما‭ ‬كان‭ ‬للدكتور‭ ‬عبد‭ ‬القدوس‭ ‬دورة‭ ‬الوطني‭ ‬البارز‭, ‬كان‭ ‬له‭ ‬كذلك‭ ‬دوره‭ ‬المرموق‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬القومي‭ ‬سواءً‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬العلاقات‭ ‬الوطيدة‭ ‬التي‭ ‬نسجها‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬ساحات‭ ‬النضال‭ ‬أو‭ ‬بمساهمته‭ ‬ومشاركته‭ ‬ونشاطه‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬مركز‭ ‬دراسات‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية‭, ‬والمؤتمر‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭, ‬والمؤتمر‭ ‬القومي‭ ‬الإسلامي‭, ‬والمنظمة‭ ‬العربية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭, ‬واللجنة‭ ‬القومية‭ ‬لمقاومة‭ ‬التطبيع‭, ‬ومؤسسة‭ ‬القدس‭ ‬الدولية‭, ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬والفعاليات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬شديد‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬حضورها‭ ‬وعلى‭ ‬الإسهام‭ ‬بتذليل‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعترض‭ ‬نجاحها‭. ‬
لقد‭ ‬انطوت‭ ‬جوانح‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬القدوس‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬اتسع‭ ‬لحب‭ ‬كل‭ ‬الناس‭.. ‬قلب‭ ‬حاول‭ ‬جاهدًا‭ ‬أن‭ ‬يعين‭ ‬صاحبه‭ ‬على‭ ‬بلوغ‭ ‬الأهداف‭ ‬النبيلة‭ ‬التي‭ ‬نذر‭ ‬حياته‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬ممثلة‭ ‬بأهداف‭ ‬النضال‭ ‬العربي‭ ‬الكبرى‭, ‬كما‭ ‬سبقه‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أجيال‭ ‬مضت‭, ‬وسيستمر‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬من‭ ‬إخوة‭ ‬نضاله‭ ‬على‭ ‬ذات‭ ‬الطريق‭, ‬بل‭ ‬وستأتي‭ ‬أجيال‭ ‬المستقبل‭ ‬لاستلام‭ ‬الراية‭ ‬ومواصلة‭ ‬النضال‭, ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قلب‭ ‬أبو‭ ‬إيهاب‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬تحمل‭ ‬العبء‭ ‬الذي‭ ‬ألقي‭ ‬عليه‭ ‬فقرر‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬فجأة‭ ‬مردداً‭ ‬قول‭ ‬الشاعر‭: ‬
وإذا‭ ‬كانت‭ ‬النفوس‭ ‬كباراً‭     ‬تعبت‭ ‬في‭ ‬مرادها‭ ‬الأجسام‭ ‬
بقي‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬أبا‭ ‬إيهاب‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وعدني‭ ‬في‭ ‬لقائنا‭ ‬الأخير‭, ‬أن‭ ‬نلتقي‭ ‬لتناول‭ ‬القات‭ ‬مع‭ ‬شباب‭ ‬ساحة‭ ‬التغيير‭ ‬احتفالاً‭ ‬واحتفاءً‭ ‬بمقدم‭ ‬اليمن‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬21‭ /‬2‭ / ‬2012م‭, ‬تحت‭ ‬إحدى‭ ‬أشجار‭ ‬الساحة،‭ ‬وكان‭ ‬شديد‭ ‬الحماس‭ ‬للفكرة‭ ‬مصراً‭ ‬على‭ ‬تنفيذها‭ ‬مع‭ ‬علمه‭ ‬بأنه‭ ‬سيخالف‭ ‬بذلك‭ ‬تعليمات‭ ‬الطبيب‭ ‬القاضية‭ ‬بالامتناع‭ ‬عن‭ ‬التدخين‭ ‬جنباً‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬تناول‭ ‬القات‭.. ‬ويقيني‭ ‬أنني‭ ‬وأنا‭ ‬ذاهب‭ ‬للوفاء‭ ‬بالوعد‭ ‬لن‭ ‬أكون‭ ‬حينها‭ ‬بمفردي‭, ‬لأن‭ ‬روح‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬القدوس‭ ‬ستكون‭ ‬هناك‭ ‬معنا‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬البذل‭ ‬والعطاء‭.‬
يا‭ ‬أبا‭ ‬إيهاب‭ ‬سأفتقدك‭ ‬كثيراً‭ ‬كثيراً‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الشخصي‭.. ‬وسنفتقدك‭ ‬جميعاً‭ ‬إخوة‭ ‬وأصدقاء‭ ‬ومحبين‭.. ‬ولكن‭ ‬عزاءنا‭ ‬فيك‭ ‬أنك‭ ‬أنجبت‭ ‬إيهاب‭ ‬وشهاب‭ ‬وهما‭ ‬رجلان‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬المسؤولية‭.. ‬أما‭ ‬السيدة‭ ‬الفاضلة‭ ‬أم‭ ‬إيهاب‭ ‬فنقول‭ ‬لها‭ ‬جزاك‭ ‬الله‭ ‬كل‭ ‬الخير‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قدمت‭ ‬لأخينا‭ ‬وفقيدنا‭ ‬جميعاً‭ ‬وجعله‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬حسناتك‭ ‬بإذنه‭ ‬تعالى‭.‬
وختاما‭: ‬ابتهلوا‭ ‬معي‭ ‬للعلي‭ ‬القدير‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬فقيدنا‭ ‬الغالي‭ ‬بواسع‭ ‬رحمته‭ ‬وأن‭ ‬يسبغ‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬سبقه‭ ‬من‭ ‬شهداء‭ ‬ومن‭ ‬افتقدهم‭ ‬التنظيم‭ ‬وشهداء‭ ‬الوطن‭ ‬الشرفاء‭ ‬والأحرار‭ ‬بمختلف‭ ‬مراحل‭ ‬النضال‭ ‬الوطني‭, ‬وشهداء‭ ‬الثورة‭ ‬الشعبية‭ ‬السلمية‭ ‬المباركة‭, ‬جميل‭ ‬عفوه،‭ ‬وسعة‭ ‬رحمته،‭ ‬وشمول‭ ‬رضوانه،‭ ‬وأن‭ ‬يسكن‭ ‬الجميع‭ ‬فسيح‭ ‬جناته،‭ ‬مع‭ ‬الشهداء‭ ‬والصديقين‭ ‬وحسن‭ ‬أولئك‭ ‬رفيقا‭, ‬إنه‭ ‬سميع‭ ‬مجيب‭.‬
والحمد‭ ‬لله‭ ‬رب‭ ‬العالمين‭ .‬

صحيفة‭ ‬‮«‬الوحدوي‮»‬

إقراء أيضا