تأخذ حركة 13 يونيو في التدوينات والمذكرات التاريخية توصيفات مختلفة ، فبين من وصفها كانقلاب عسكري سلمي وبين من تحدث عنها بعد ربطها بالعهد السابق لها باعتبارها حركة انقاذ ،
وبين من استخدم ذات الاسم الذي أطلقه عليها رائد الحركة كونها حركة تصحيح ، غير أن المراحل التالية لعهد ( الرئيس الشهيد / إبراهيم الحمدي ) لم تتح المجال للحريات فنظراً لمنهجية السلطة العسكرية القامعة أحجم الكثيرين عن الإدلاء بشهاداتهم فيما يخص أحداث وتفاصيل تلك المرحلة من عمر التاريخ اليمني الحديث ، وتفننت السلطة في بناء أجهزة إعلامية خاصة بها مرتبطة مباشرة بالحاكم تقوم بالدور التبريري لممارساتها وتوجه الرأي العام لمصالحها ولما يضمن استمرارها ، ويمكننا في استعراض تاريخي بسيط أن نستقرئ الدرس. بلغت الأوضاع المتردية في عهد ( الرئيس / عبدالرحمن الإرياني ) مآلاً سيئاً ، وعانى المواطن المرارة والكدح وانعدام الخدمات العامة وغياب دور الدولة تماماً وقد وصف أحدهم أن حضورها أقتصر في محيط السكن الرئاسي في صنعاء وتعز ، وكما نجد في الأوراق التاريخية من توصيف لشخصيته أنه كان متديناً حيياً قليل الجدل بسيطاً غير متكلف وتنزع شخصيته إلى الضعف وافتقاد القدرة على اتخاذ القرار فضلاً عن عجزها عن فرضه ، وهذه الملامح من شخصية الإرياني توضح لنا مسببات تدهور الحال وانهيار الدولة وافتقادها للتأييد الشعبي عموماً ، فبعد حركة 5 نوفمبر لم تعد الجمهورية محكومة بخلاصة الثوار وخيرة رجال الثورة السبتمبرية فالنوفمبريون سببوا شرخاً في جسد النظام المتهالك تسللت منه قوى الأمس القريب حيث استطاعت القوى الملكية بعقد الأحلاف أو تجديدها مع القوى الجهوية المشيخية ورموزها باستعادة تنظيم صفوفها في الداخل الجمهوري ، بل والتكتل بموازاة الصف الثوري بشكل رسمي وشهدت كراسي الوزارات لأول مرة منذ اندلاع ثورة سبتمبر اعتلاء وزراء قادمون من خلف الخط الحدودي يدعمهم المال السعودي ويوجه حركة القرار السياسي عبرهم ولعل الأقاصيص الرائجة حينها عن صلاحيات الملحق العسكري السعودي ( الهديان ) باعتباره الرجل الأول تقدم مؤشراً هاماً عن انعدام السيادة الوطنية والتورط في تبعية كاملة لدولة الجوار التي تدفع مرتبات الجيش والأمن وجزء كبير من مرتبات الكادر المدني ، وبالمقابل فإن القوى التي رهنت نفسها وقرارها ووطنها لبريق الذهب السعودي استأثرت بالقسط الأكبر من القرار والسلطة والنفوذ وكان من العسير في ظروف مشابهة وفي دولة بلا موارد تقريباً تعوزها الكفاءات والخبرات وتنتظم حركتها وفقاً لإيقاعات فردية نادراً ما تكون متوافقة وفي دولة معدمة تماماً من النموذج المؤسسي أن تعاود الانتظام في غياب المحفز الداخلي اللازم لذلك وبدائية الجهاز الرقابي المطلوب لتحديد مستوى الانحراف في الأداء.وعلى غرار الدولة كان المجتمع أيضاً متحصناً بالعصبويات المقيتة ( قبلية ومناطقية ومذهبية دينية وسياسية ) وشكلت التضاريس الجبلية الوعرة دور الكنتونات الحافظة لها ، وساهم غياب الدولة في تغذيتها بالسلبي وراكمت هذه العزلة من حالة التحوصل الإنساني التي عايشها المجتمع ولم تكن الحواضر قادرة على تغيير الخارطة فأدائها التنويري أيضاً كان باهتاً في المركز وتلك العصبويات تحقق من نموذج الدولة الغائبة والتبعية الخالصة تغذية مستديمة لها تعينها على التمكن وتكفل لها الاستمرارية ، وصار الشيخ هو الرمزية التي تحيل الذاكرة الجمعية إلى عصر ما قبل سبتمبر وما تعنيه تلك الرمزية ما هو إلا استمرار الاستعباد والاضطهاد والتظالم بين الأفراد ، وبالفعل كان الفاعل المشيخي بتدخلاته السياسية والعسكرية هو العائق أمام التحول ، لأن هذا الفاعل المشيخي جدد حضوره خارج الذاكرة الحضارية اليمينة وليس نتاجاً عن اتصال حضاري يمكننا من الاستشهاد بسبأ وحمير وقتبان وغيرها من الحضارات اليمنية التي سادت وحكمت وقدمت المثل الأسمى والنموذج الأرقى ، وإنما كان حضور المشيخيات الحاكمة في سياقات تاريخية محصورة بعلاقة النفعية والاستئثار ومصحوبة بروح متمردة تفهم وجودها لزاماً في غياب الدولة ، وغالبها تغذى من علاقات المصاهرة وأواصر النسب مع ملكيات ما قبل الثورة ، وتناقلت حنيناً للمصالح والمنافع استمر معنياً ببقاء الاعتراف المجتمعي لها بالسيادة المسنودة على أفضلية أسرية ، وهذا الاعتراف بالأفضلية ما زال باباً خلفياً يتسلل منه أبناء المشائخ وسليلهم إلى مفاصل الدولة وسدة الحكم بالضبط كما كان الأمر منذ القدم.في هذا الخليط المعقد من الإرث التخلفي الماضوي وجد ( الرئيس الشهيد / إبراهيم الحمدي ) نفسه مقتحماً المشهد معبراً عن فكرة الدولة في حركة تصحيحية باتجاه المدنية ( وليس لإعادة الحكم العسكري كما وصف أحدهم في مذكراته ) ولن أحقق في أوصاف شخصية الرجل فقد نسجت حولها الكثير من الأساطير وتناقلت الألسن الحقائق حتى صار من المستحيل بالنسبة لشاب مثلي ينتمي لجيل ما بعد الحمدي أن يحدد ملامح الشخصية ولكن يمكن الاستعاضة بذلك عبر تحديد معالم ( المرحلة الحمدية ) في التاريخ اليمني إن جاز لي التوصيف ، وعلى قصر الفترة الزمنية التي عاشها الرجل حاكماً إلا أن الإنجاز المتحقق كان مهولاً ويمكن إيجازه بالآتي :-- على مستوى التكوين الإداري ، استنهض فكرة المأسسة بعيداً عن فردانية القرار على الرغم من صعوبتها في ظروف الدولة الصعبة ، وارتكز مشروعه الإداري على استحداث مراكز مراقبة شعبية في كل الجهات والدوائر الحكومية والقطاعات العامة والمختلطة أصطلح على تسميتها بــ( لجان التصحيح ) وأعتبرت هذه اللجان جوهر الحركة التصحيحية ، نتج عنها ثورة تغييرية كاملة تحققت برفع مستويات الأداء الرسمي والتماس الخدمات العامة وإنجاز هيكل البنية التحتية على بساطته إلا أنه يجب علينا المقارنة بظروف الدولة حينها لتحري الإنصاف والعدالة ، وليس أدل على ذلك من تدني معدلات الدين العام في نهاية عهد الرجل ، وقد قام لغرض القضاء على فردية القرار باعتماد مجموعة من الكوادر الشابة المؤهلة التي عملت كعناصر مساندة للتحول ورائدة للعبور نحو المدنية ، ولكن - للأسف - تم القضاء على ذلك الجيل بأكمله بعد اغتيال ( الحمدي ) وبالإضافة إلى كل ذلك ربما ضمن الرجل في مشروعه المدني تغيير الخارطة الاجتماعية كونه أكثر إدراكاً لخطورة سيطرة القبيلة بمنهجية التفكير الرجعي التابع الذي تعتمده وأبتدأ خطوات الإزاحة لها وهو مبعث الخطر الذي استشعرته قوى التحالف الجهوي القبلي في الداخل مع التيار الملكي ومثل سبباً رئيسياً للتخلص منه ( كما توضح أغلب التفسيرات التي تناولت مشهد اغتيال الحمدي ). وفي هذا السياق هناك الكثير للتعريض عليه مثل مشاريع الخطة الخمسية ومعدلات النمو المتحققة إلى آخر تلك الإنجازات المترتبة عن تصحيح المنهج الإداري والقضاء على الفساد المالي والمحسوبية والتقليص من نفوذ مراكز القوى تمهيداً للتخلص منها.- على المستوى السياسي كان ( الحمدي ) مستوعباً لأهمية الشراكة في القرار ومدركاً معنى التنوع في تحقيق توازن إيجابي واستثماره في مشروعه الوطني الكبير ، وصعدت إلى السطح فكرة ( المؤتمر الشعبي العام ) الذي كان المعنى منه إنتاج قالب يمني يحافظ على الخصوصية الثقافية ويحتفظ بالتنوع يشارك الطيف المجتمعي والسياسي في صياغة رؤاه وتصوراته ويجد الجميع تعبيراتهم وأفكارهم متجلية على نسيجه الفكري ومساهمة في تفاصيله التنظيمية وأطره الداخلية ، وذلك السعي حينها قدم نموذجاً تقدمياً بامتياز ، فلم يسبق أن جرى الاشتغال على منهج سياسي مماثل ، غير أن إدراك المنظومة الرجعية لخطورة الأمر ومدى تعديه على مصالحها الخاصة ومصالح الدولة الملكية القائمة على تضاريس نجد والحجاز ، فتم تكبيل الفكرة تماماً وإيكالها إلى المنظومة الرجعية التي رأسها ( علي عبدالله صالح الأحمر ) وهو – على حد توصيف نصار الجرباني عند لقائي به السنة الفائتة - : ( رجل يملك الجرأة على أن يبيع الخمر في مجتمع محافظ ولا يمتلك من مؤهلات إدارة الدولة سوى دورة في قيادة الدبابات ، وهذا ما جعل السعودية ترى فيه الشخصية المثلى لرعاية مصالحها في اليمن ). وإذا أضفنا إلى رصيد منجزات ( الحمدي ) تفعيل مشروع التعاونيات وهي خطوة واضحة في طريق الخلاص من المركزية وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية نجد أن فكرة السيطرة والإحكام الإداري على القرار غير مستوعبة ضمن مشروعه المدني وربما كانت مرفوضة أيضاً إذا قسنا على التحولات الافتراضية التي لربما تحققت فيما لو تواصل الثبات التطبيقي لهذا المشروع.يلزم القول هنا أنه من الاستحالة في مقال موجز التطرق لمظاهر الدولة وإصلاحاتها التي أنجزت في عهد ( الرئيس الشهيد / إبراهيم الحمدي ) ، وينبغي على المستوعبات الحزبية الحاضرة تعلم الدرس جيداً خاصة ونحن نخوض صراعاً على مشهد التحول في تاريخنا الحديث ، ولا يوجد ما يدل حتى اللحظة على إمكانية النجاح في هذا الصراع لصالح قوى البناء والمدنية. إن بقاء ( الحمدي ) مستوطناً الذاكرة الشعبية يؤكد أن الاقتراب من المستوى الشعبي وملامسة همومه والتعبير عن احتياجاته ومتطلباته هو السبيل الأوحد لكسب حب الجماهير وبناء جسر التواصل معهم ، وأن الخوف - في حالتنا الحاضرة – لا يكمن في حقيقة نتوء المشاريع المجهرية وطفوها على السطح ، لأن هذه المشاريع تحمل بذرة فناءها في مضمونها بعدم اتساعها للجميع ، وإنما المخاوف ناتجة عن غياب المشروع الوطني الجامع ، وهو المبرر لاستمرار شعبية ( الحمدي ) بعيداً عن لحظة الاغتيال التاريخية بعقود فالرجل جلب للجميع حلم الدولة المدنية الحديثة القابل للتحقق .