أسدل مونديال 2026 ستاره بعد خمسة أسابيع حافلة بالمنافسة والإثارة، تاركاً وراءه نسخة مختلفة في شكلها وحجمها عن كل ما سبقها. فالبطولة التي احتضنتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك شهدت للمرة الأولى مشاركة 48 منتخباً وخوض 104 مباريات، لتدخل التاريخ بوصفها أكبر نسخة من كأس العالم منذ انطلاقها قبل نحو قرن.
حملت النسخة الجديدة ملامح مختلفة على المستويات كافة؛ من نظام المنافسات، والانتشار الجغرافي، والحضور الجماهيري، إلى العوائد الاقتصادية والتقنيات الحديثة، لتؤكد أن كأس العالم دخل مرحلة جديدة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية، وتجمع بين كرة القدم والترفيه والاستثمار في حدث عالمي هو الأكبر على الإطلاق.
إسبانيا.. عودة إلى قمة العالم
كان المشهد الختامي على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي عنواناً لعودة الكرة الإسبانية إلى قمة العالم، بعدما نجح منتخب "لا روخا" في انتزاع اللقب العالمي الثاني في تاريخه بفوزه على الأرجنتين بهدف دون مقابل بعد شوطين إضافيين، ليكرر إنجاز مونديال جنوب أفريقيا 2010 ويضيف النجمة الثانية إلى قميصه.
وجاء هدف التتويج في الدقيقة 106 عبر فيران توريس، الذي استثمر هجمة جماعية بدأت بعرضية من بيدرو بورو ورأسية من نيكو ويليامز، قبل أن يطلق تسديدة قوية سكنت شباك الحارس إيميليانو مارتينيز، لتنطلق الاحتفالات الإسبانية داخل الملعب وخارجه.
نهائي تكتيكي
اتسمت المباراة النهائية بانضباط تكتيكي عالٍ، حيث فرض المنتخب الإسباني أسلوبه القائم على الاستحواذ والضغط المتقدم، في حين اعتمد المنتخب الأرجنتيني على التكتل الدفاعي واستغلال سرعة التحولات بقيادة ليونيل ميسي.
ورغم الفرص الإسبانية المتعددة وتألق الحارس مارتينيز، بقي التعادل السلبي سيد الموقف حتى الأشواط الإضافية، قبل أن يحسم توريس المواجهة بهدف تاريخي منح بلاده اللقب.
وازدادت مهمة الأرجنتين صعوبة بعدما أكملت المباراة بعشرة لاعبين إثر طرد إنزو فرنانديز في الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني، قبل أن تشهد نهاية اللقاء مشادة بين لياندرو باريديس وعدد من لاعبي إسبانيا، تدخل على إثرها المدرب ليونيل سكالوني لاحتواء الموقف.
مشوار بطل استحق التتويج
لم يكن تتويج إسبانيا وليد مباراة واحدة، بل جاء تتويجاً لمسيرة ثابتة طوال البطولة.
فقد تصدر المنتخب مجموعته بعد التعادل مع الرأس الأخضر دون أهداف، ثم الفوز على السعودية برباعية نظيفة، وأوروغواي بهدف دون رد.
وفي الأدوار الإقصائية، تجاوز النمسا بثلاثية نظيفة في دور الـ32، ثم البرتغال بهدف في ثمن النهائي، وأقصى بلجيكا بنتيجة 2-1 في ربع النهائي، قبل أن يهزم فرنسا بهدفين دون رد في نصف النهائي، ويحسم النهائي أمام الأرجنتين بهدف فيران توريس.
أما المنتخب الأرجنتيني، فقد بلغ النهائي بعد مشوار قوي تصدر خلاله مجموعته بالعلامة الكاملة، ثم تجاوز الرأس الأخضر ومصر وسويسرا، قبل أن يقصي إنجلترا في نصف النهائي، لكنه أخفق في الاحتفاظ باللقب الذي أحرزه في مونديال قطر 2022.
هيمنة إسبانية على الجوائز الفردية
ولم يقتصر التفوق الإسباني على الفوز بالكأس، بل امتد إلى الجوائز الفردية، حيث نال رودري جائزة أفضل لاعب في البطولة، فيما توج أوناي سيمون بجائزة القفاز الذهبي بعد بطولة استثنائية استقبل خلالها هدفاً واحداً فقط في ثماني مباريات، وخرج بشباك نظيفة في سبع مباريات، محققاً رقماً غير مسبوق في تاريخ كأس العالم.
كما توج المدافع الشاب باو كوبارسي بجائزة أفضل لاعب شاب، ليؤكد أن المنتخب الإسباني لم يكتف بصناعة فريق بطل، بل قدم جيلاً جديداً مرشحاً لقيادة الكرة العالمية خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، احتفظ الفرنسي كيليان مبابي بالحذاء الذهبي بعدما أنهى البطولة هدافاً برصيد عشرة أهداف، للمرة الثانية توالياً، معززاً سجله التاريخي في كأس العالم.
نسخة غيّرت نظام البطولة
وشكل مونديال 2026 نقطة تحول تاريخية في نظام كأس العالم، بعدما ارتفع عدد المنتخبات إلى 48 منتخباً، ووزعت على 12 مجموعة، تأهل منها صاحبا المركزين الأول والثاني، إضافة إلى أفضل ثمانية منتخبات احتلت المركز الثالث، ليكتمل دور الـ32 الذي استحدث لأول مرة في تاريخ البطولة.
وأدى هذا التغيير إلى زيادة عدد المباريات إلى 104، بعدما بلغ عدد مباريات دور المجموعات 72 مباراة، تلتها 16 مباراة في دور الـ32، ثم ثماني مباريات في ثمن النهائي، وأربع مباريات في ربع النهائي، ومباراتان في نصف النهائي، إلى جانب مباراتي تحديد المركز الثالث والنهائي.
ومنح النظام الجديد فرصاً أوسع لمنتخبات القارات المختلفة، وأسهم في رفع مستوى التنافس حتى الجولات الأخيرة من دور المجموعات.
أكبر بطولة
نجحت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في تنظيم نسخة معقدة لوجستياً، مستفيدة من بنية تحتية متطورة وشبكات نقل حديثة وملاعب عالمية، لتخرج البطولة بصورة تنظيمية حظيت بإشادة واسعة.
كما سجلت البطولة حضوراً جماهيرياً قياسياً ونسب مشاهدة مرتفعة، مع الاعتماد على أحدث التقنيات التحكيمية، وفي مقدمتها تقنية التسلل شبه الآلي وتطوير نظام حكم الفيديو المساعد، بما أسهم في رفع دقة القرارات وتقليل الأخطاء المؤثرة.
حفل فني
وشهد نهائي البطولة حدثاً غير مسبوق بإقامة أول حفل فني بين شوطي المباراة النهائية في تاريخ كأس العالم، في خطوة استلهمها "فيفا" من عروض "السوبر بول" الأميركية.
وامتدت الاستراحة إلى نحو ثلاثين دقيقة، وشارك في الحفل عدد من أبرز نجوم الموسيقى العالمية، بينهم مادونا وشاكيرا وجاستن بيبر وروبي ويليامز ونيكول شيرزينغر وبوست مالون، إضافة إلى فرقة "بي تي إس"، فيما ظهر الأسطورتان البرازيليتان رونالدو ورونالدينيو ضمن فقرات العرض، ليصبح النهائي حدثاً رياضياً وترفيهياً في آن واحد.
أرقام قياسية
اقتصادياً، تحولت البطولة إلى أكبر مشروع رياضي في تاريخ كأس العالم، بعدما تجاوزت إيراداتها المتوقعة 15 مليار دولار، مدفوعة بزيادة عدد المباريات، وارتفاع مبيعات التذاكر، وحقوق البث، والرعاية التجارية، وبرامج الضيافة.
ونال المنتخب الإسباني 50 مليون دولار بعد تتويجه باللقب، بينما حصلت الأرجنتين على 33 مليون دولار بصفتها وصيفة البطولة، فيما ذهبت جائزة المركز الثالث إلى إنجلترا، والرابع إلى فرنسا.
وعلى الصعيد التحكيمي، شهدت البطولة 15 حالة طرد، كان آخرها البطاقة الحمراء التي تلقاها الأرجنتيني إنزو فرنانديز في النهائي، في نسخة اتسمت بالندية والالتحامات البدنية حتى لحظاتها الأخيرة.
مشاركة عربية تاريخية
سجلت المنتخبات العربية حضورًا غير مسبوق في نهائيات كأس العالم 2026، بعدما شاركت ثمانية منتخبات للمرة الأولى في تاريخ البطولة، هي المغرب، مصر، الجزائر، السعودية، العراق، الأردن، قطر، وتونس، في النسخة التي استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بمشاركة 48 منتخبًا.
وشهدت المشاركة العربية نتائج متفاوتة، إلا أنها حملت العديد من المؤشرات الإيجابية، سواء على المستوى الفني أو الجماهيري والاقتصادي، في ظل النظام الجديد للبطولة الذي منح المنتخبات فرصًا أكبر للمنافسة على الساحة العالمية.
وكان المنتخب المغربي الأفضل عربيًا، بعدما واصل حضوره القوي في كأس العالم وبلغ الدور ربع النهائي، قبل أن يودع البطولة أمام فرنسا، ليحقق أفضل إنجاز عربي في نسخة 2026، ويحصد أعلى عائد مالي بين المنتخبات العربية بلغ 21.5 مليون دولار.
كما حقق المنتخب المصري أفضل مشاركة في تاريخه بالمونديال، بعدما تأهل إلى دور الـ16 للمرة الأولى، قبل أن يخرج أمام الأرجنتين، ليحصل على مكافآت مالية بلغت 17.5 مليون دولار.
ونجح المنتخب الجزائري في تجاوز دور المجموعات للمرة الثانية في تاريخه، قبل أن يودع البطولة من دور الـ32 أمام سويسرا، محققًا عوائد مالية وصلت إلى 13.5 مليون دولار.
في المقابل، غادرت منتخبات السعودية وقطر والأردن والعراق وتونس المنافسات من دور المجموعات، حيث اكتفى المنتخب السعودي بحصد نقطتين، بينما حصل المنتخب القطري على نقطة واحدة، في حين خرجت منتخبات الأردن والعراق وتونس دون رصيد من النقاط، إلا أن جميعها استفادت من الجوائز المالية المخصصة للمشاركة، والبالغة 12.5 مليون دولار لكل منتخب.
ووفق بيانات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بلغت القيمة الإجمالية للجوائز المالية التي حصلت عليها المنتخبات العربية 115 مليون دولار، وهو ما يمثل نحو 13.2% من إجمالي الجوائز المرصودة للبطولة، ويعكس الزيادة الكبيرة في العوائد مقارنة بمونديال قطر 2022.
ولم يقتصر الحضور العربي على الجانب الفني، إذ حظيت مباريات المنتخبات العربية بإقبال جماهيري كبير، حيث تصدر المنتخب المغربي قائمة المنتخبات العربية من حيث الحضور الجماهيري، بعدما تجاوز عدد الحضور في مباراته أمام البرازيل 80 ألف متفرج، فيما جذبت مباريات السعودية ومصر والجزائر عشرات الآلاف من المشجعين، مع تسجيل نسب إشغال تجاوزت 95% في عدد من الملاعب.
وأكدت هذه الأرقام تنامي شعبية المنتخبات العربية على الساحة الدولية، في ظل الحضور الكثيف للجاليات العربية في أمريكا الشمالية، إضافة إلى الإقبال الجماهيري الكبير على مباريات البطولة.
ورغم تباين النتائج، عكست مشاركة المنتخبات العربية في مونديال 2026 تطورًا ملحوظًا من حيث الحضور والتنافسية، ورسخت مكانتها في النسخة الأكبر بتاريخ كأس العالم، لتشكل قاعدة يمكن البناء عليها قبل الاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
من نيوجيرسي إلى مدريد
شهد النهائي حضوراً لافتاً لعدد من الشخصيات العالمية، يتقدمهم ملك إسبانيا فيليب السادس والملكة ليتيزيا، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو.
ومع إطلاق صافرة النهاية، تحولت العاصمة مدريد إلى مسرح مفتوح للاحتفالات، حيث احتشد عشرات الآلاف في ساحة سيبيليس مرددين هتافات "كامبيونيس... كامبيونيس"، بينما أضاءت الألعاب النارية سماء المدينة احتفالاً بعودة اللقب العالمي إلى إسبانيا.
وترك مونديال 2026 إرثاً يتجاوز هوية البطل، إذ رسخ نموذجاً جديداً لكأس العالم يجمع بين الاتساع الرياضي، والابتكار التنظيمي، والتطور التقني، والقوة الاقتصادية، ليؤكد أن البطولة الأكثر شعبية في العالم دخلت بالفعل عصراً جديداً ستكون آثاره حاضرة في النسخ المقبلة.
مئوية كأس العالم
بمجرد انتهاء البطولة، بدأت الأنظار تتجه إلى مونديال 2030، الذي سيقام في المغرب وإسبانيا والبرتغال، مع مباريات افتتاحية احتفالية في الأوروغواي والأرجنتين وباراغواي بمناسبة مرور مئة عام على انطلاق أول كأس عالم.
وستكون النسخة المقبلة الأولى التي تقام في ثلاث قارات وست دول، وسط ترقب لحسم هوية الملعب الذي سيستضيف المباراة النهائية، في ظل منافسة بين ملعب سانتياغو برنابيو في مدريد وملعب الحسن الثاني في الدار البيضاء.